وأما حديث التكثير بازدواجات تقع من مفرط ومعتدل، فنقول فى جوابه إن المادة البسيطة، إذا كانت قوة مسخنة، وكان من شأنها أن تقبل السخونة، فمن المحال أن لا تسخن السخونة التى فى طباعها أن تقبلها إلا لعائق. وذلك لأن من شأن المسخن، إذا بقى ما ليس فيه سخونة، وهو يقبلها، أن تحدث فيه سخونة. والسخونة مسخنة؛ إذ من شأن السخونة، إذا لاقت مادة، أن تحدث فيها سخونة أخرى. فكيف إذا كانت فى نفس المادة واحتملت سخونة أخرى؟ فهذه القوة المسخنة، إذا أحدثت حدا من السخونة، فبعد ذلك إذا لم تفد سخونة، والسخونة الموجودة أيضا فى المادة إذا لم تفد سخونة بعد التى أفادت، فإما لأصل أن طباعها ليس تفيد السخونة فى القابل إلا وقتا ما، ويحال ما، وقد فرضنا القوة مسخنة بطباعها، وكذلك السخونة الحاصلة منها التى تحدث عنها سخونة فيما يلاقيها؛ وإما لأن المادة لا تقبل، وقد فرضنا أنها تقبل أكثر من الحد الموجود فى الفاتر والمعتدل؛ بل نحسها كذلك. وإذا كانت حارة كان إمعانها فى التسخين، عند وجود ما بوجوده تكون السخونة، أولى منها إذا كانت باردة؛ وأما لعائق. ونحن لا نمنع ذلك. إنما نتكلم على مقتضى الطباع. فإن القوة المبردة فى الماء يجوز أن تعاق فى التبريد أصلا، فضلا عن أن يبالغ فى التبريد؛ فربما كان العائق داخلا، وربما كان خارجا. فإذ لا عائق، ولا امتناع قبول فى المادة عن أن تسخن زيادة سخونة عن تلك القوة بعينها، وعن السخونة الحادثة فيها إلى الغاية التى من شأنها أن تبلغها حادئا فيها السخونة عن السخونة التى لا حائل بينها وبينها، التى هى أولى أن تحدث فيها سخونة من سخونة خارجة قائمة فاعلة فى جسم ملاق إحداث الميل الطبيعى للميل بعد الميل، على سبيل الحتمية، كما قد عرفته - فواجب أن يكون الأمر فيها بالغا الغاية. وليس هذا، كما يعلم، من حال القوة المصعدة للنار الصغيرة فإنها لا تبلغ الغاية الممكنة فى الإسراع. فإن ذلك لعائق من خارج، وهو ما فيه الحركة؛ فإنه يمتنع عن الانحراق له، ويقاومه، فلا يقدر مثل تلك القوة أن تحرق فوق ذلك. فيغرض فى فعله من العائق قصور لا يعرض لما هو أكثر وأقل قبولا للمقاومة. ولو لم تكن مقاومته من جهة المتوسط لكانت الحركات كلها متشابهة، كما مر لك فى مواضع أخرى.
وكذلك لو لم تكن فى الماء مقاومة للتسخن لكان يسخن بلا فتور غاية السخونة عند لقاء المسخن.
فيجب من هذا أنه إذا لم يكن مانع كانت المواد المتسخنة عن القوة المسخنة الموجودة فيها تتسخن على السوية. فإذا كان بعض الأسطقسات لا يبلغ فى التسخن الطبيعى عن طبيعته، وليس عائق من خارج، فهناك عائق من أمر فيه عن طبعه. وليس يجوز أن تكون الطبيعة وحدهما عائقة، وموجبة أن يكون بوساطة أمر آخر يفيض عنها. فتكون القوة، إذا كان من شأنها أن تسخن وترطب معا عاقت الرطوبة المادة عن أن تقبل السخونة عن تلك القوة ألى غاية الحد؛ بل قعدت بها وكانت المادة لا تبقى رطبة إذا أفرط فيها الحر، فتكون الرطوبة التى تفيض عن القوة تجعل للمادة حدا محدودا فى استعداد قبول الحرارة.
صفحه ۱۷۸