قال: وأين كانوا قبل؟ - كانوا في الصخرة الجهنمية ثم انتقلوا إلى صخرة الحدبة، فلم يلبثوا فيها إلا يوما بليلة، ثم جاءوا إلى الصخرة الملساء، التي هم فيها الآن مقيمون. - وأين هذه الصخرة الملساء؟
قال - وأشار بيده - هي تلك التي تناغي السماء، ولكنك لا ترى إلا ظهرها وهي قريبة منا؛ ولهذا لا أرى من العقل أن نطيل الوقوف هنا، فإما أن تركب معي في الزورق فأنجو بك وبنفسي، وإما أن تدعني أذهب وحدي، فإنهم يا مولاي شداد أقوياء، لا تنفعك معهم شجاعتك.
قال: هذا لا يعنيك أيها الرجل. - وهل عمري لا يعنيني يا مولاي؟
قال: ثبت جأشك أيها الرجل، فلو حضر لصوص الأرض أجمع ما ملكوا لك من دوني أمرا، لا خيرا ولا شرا، والآن قل لي كم عدة أصحابك اللصوص؟
قال: سبعة بما فيهم رئيسهم يا مولاي.
قال: وكيف أنت ماض وتارك هذا الزاد ؟ - بذلك أمرت يا مولاي. قال: فإن علي أن أودع بضاعتي هنا وأذهب بعد ذلك فأخبرهم بحضورها، ثم عليهم أن يأتوا متى شاءوا فيأخذوها؛ لأنهم لا يتحركون حركة إلا بحساب.
قال: إن أمرهم إذن لمريب فهل تعلم دخيلته؟
قال: لا يا مولاي. والآن ائذن لي بفضلك أن أمضي لسبيلي؛ فإن لي أطفالا صغارا يموتون بموتي.
قال: ذلك لك بعد أن تقول ما المسافة بيننا وبين المدينة. - ثلاثة أيام في البحر بسير الزورق، وأربعة في البر بمشي الأقدام، إلا أن البر أوطأ مركبا وآمن في هذه الجهات سبيلا. - قد عرفت ما تهمني معرفته، فخذ زورقك الآن واذهب بسلامة، فانحنى الصياد إجلالا، ولعثم كلمات فيها شكر ودعاء، ثم أتى الزورق فركب وأعمل مجذافيه بقوة، فصار الزورق في عريض الماء؛ وعندئذ لم يدر حماس إلا بذلك الخادع قد صفر صفيرا امتلأت من دويه الآفاق، وعلى إثر ذلك انحدر من الصخرة رجلان يهدران، كأنهما فحلان يتبادران، فحين رأى الفتى ذلك لم يلتفت إلى القادمين، بل بدأ برجل الزورق فسدد نحوه سهما كسهم المنون، ثم رمى فأصاب مقاتله فصرخ صرخة واحدة ثم لم يثن، فأيقن حماس أن سهم الانتقام قد أصاب، وأن الكذب قد قتل الكذاب.
ثم إنه استعد للقاء الرجلين وكانا قد تقدما حتى صارا منه وجها لوجه، فصاح به أحدهما يقول: من الرجل وما يبتغي؟ - ومن أنت يا لص الخنا حتى تسأل هذا السؤال؟
صفحه نامشخص