وبعد ذلك مشى في ضوء القمر الطالع يرتاد مبيتا بين كتل الصخر المتشعبة المتكاثفة هنالك، وهو لا يكاد يجمع أعضاءه من شدة النصب، فهداه حسن الحظ إلى مكان صالح بعض الشيء للمبيت، وهو مستوى من الصخر تنحني فوقه كتلة من الصخر كذلك؛ بحيث يحصل منهما للآوي وطاء وغطاء، ففرش اللوح أرضا واضطجع فأخذه النوم للحين.
فلما كان الصبح نبهته الشمس بشعاعها الأول وبشيرها إلى الوجود، فانتبه خفيف الجسم ناشط الأعضاء جاف الثياب من حر الشمس في الحجر.
وكان الجوع والعطش قد أخذا من الفتى كل مأخذ، فأخذ يدبر لمعدته أمرا، فلم ير إلا أن يخرج إلى فضاء الأرض يبتغي من فضل الله، فتأبط اللوح وهم بالنزول من مكانه العالي.
ولم يكد يتحرك حتى نظر أمامه شيئا أدهشه، واضطره إلى البقاء بعد ما عزم على الرحيل، وذلك أنه أبصر على البعد زورقا يلقى المراسي، وقد نزل منه رجل قصير القامة كثير اللحم والشحم وله زي الصيادين، فجذب الزورق إلى الشاطئ حتى صار كأنه جزء منه، ثم أخرج منه قدورا وقربا مملوءة، وأشياء أخرى كثيرة، وجعل ذلك كله على الأرض بعضه بجنب بعض، ثم تركه ومشى يسلك طريقا في الصخر كثير الاعوجاج، فأمهله حماس ريثما ابتعد، ثم نزل مستعجل الخطو خفيف الحركات، يرقب بإحدى عينيه الزورق ويتقي الصياد بالأخرى، حتى بلغ المكان والرجل ماض في طريقه مجد في سيره، لا يلتفت وراءه إلى أن توارى شخصه.
وعندئذ دنا حماس من الزورق تأمل ما بجانبه من المتاع، وإذا هو بكمية وافرة من أنواع السلاح، فسر بذلك كثيرا، وقال في نفسه الآن رددت على الأسد مخالبه، فلنبدأ بها فإنها هي الزاد الباقي لا جوع معها ولا خوف، ثم قلب الأسلحة فتخير منها خنجرا وسيفا ورمحا وترسا وقوسا ومقدارا من السهام، فتقلد جميع ذلك حتى صار فيه حصنا لا يرام، وأسدا كل الأرض له آجام، ولوى بعد ذلك على القدور ففتحها واحدة واحدة، فإذا فيها من اللحوم والبقول ما يكفي جماعة من الناس مدة من الزمان، ثم فتح القرب فوجد بعضها مملوءا ماء والبعض الآخر يفيض من أنواع النبيذ، فأكل هنيئا وشرب مريئا حتى كاد يؤذى من الري والشبع، ثم لم يكتف بذلك بل أخذ ما قدر على حمله من الزاد والماء والنبيذ، وانثنى آيبا إلى مأواه، فأودعه هناك وأقام بعد ذلك يترقب.
وقد كان أول ما خطر على بال حماس، أن يعيد جميع ما على الأرض إلى الزورق ثم يركب فيه فيسير، حتى يبلغ ما خلف تلك الصخور من المعمور، إلا أنه راجع فكره فبدا له أن هذه الكمية الوافرة من الزاد والماء والسلاح لا يمكن أن تكون لذلك الصياد وحده، وأن الرجل ليس صيادا كما توهم لأول وهلة بل هو لص من لصوص الماء، يأوي إلى تلك الصخور ضمن عصابة من الأشقياء، فخشي الفتى عاقبة التسرع، وخاف أن يبصر به القوم وهو في الزورق يسير به فيرموه بسهام لا طاقة له بها، ولا دفاع معها، فاختار أن يرجع إلى جحره فيبقى فيه حتى يظهر من ذلك السر خافيه.
فلم يمض إلا القليل حتى تراءى شخص الصياد عائدا من حيث ذهب، ثم ما زال يقترب حتى صار بين الزورق وبين القرب والقدور، فلما رآها على تلك الصورة من الخراب والنقصان غشيه من الفزع ما غشيه، وضاقت الدنيا في عينيه، فوقف حيران لا يدري ماذا يصنع، ثم اندفع يبكي ويتوجع.
وكان حماس قد نزل إليه كأنه الأسد في فريسته بين يديه، فلم يشعر الرجل إلا بيد قوية قد ضربته على كتفه ضربة قاسية، كادت تكون هي القاضية، فالتفت مذعورا فرأى شيئا في طول النمر إذا النمر انتصب، وله خفة إذا هو وثب، فترامى على قدمي الفتى يقول: الأمان الأمان أيها الشيطان، فتبسم حماس ضاحكا وقال: قم أيها الجبان إني لست شيطانا، ولو تأملتني ما وجدتني إلا إنسانا قال: إذن؛ فالأمان أيها البطل الكريم إني ورأسك لست منهم، وإنما أنا رجل تاجر أبيع للص الحقير، كما أبيع للملك الكبير.
قال: وأنا أعطيك الأمان بشرط أن تعرفني من أنت ومن أين أتيت، وإلى أين ذهبت ثم عدت، وما هذه الدخائر ولمن هي؟ تكلم، وحذار من الكذب.
قال: أنا يا مولاي رجل تاجر أعامل عصابات كثيرة من اللصوص، ومن جملتها الشرذمة الآوية إلى هذا المكان، فأربح منهم المال الطائل، وهذا الزورق مصنوع؛ بحيث يمكنني في ساعة الخطر أن ألقي جميع ما به في البحر بدون أن يمس الزورق سوء، ولي زمان أعامل أصحاب هذا المكان ويعاملونني، وهم لم يأتوا إليه إلا من نحو شهر.
صفحه نامشخص