احتراس از آتش نبراس جلد اول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أقول: تعدجب ما شئت ممن يقول أن معنى قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} هكذا قد أفلح من توهم أنه زكاها، وقد خاب من توهم أنه دساها، هذا وأنت قد عرفت فيما سبق لنا أن مقتضى أصول المجبرة أن الله تعالى هو المزكي والمدسي، ولا دخل للكسب في ذلك، ولهذا تكلف صاحب الكشاف في حاشية الكشاف ما تكلف، وصرح الرازي في مفاتح الغيب بأن التزكية تحصيل الزكا كما سلف، وعرفت أن من ادعى المجاز في قوله: {قد أفلح من زكاها} فعليه بيانه، وعرفت أن قوله تعالى: {ولكن الله يزكي من يشاء} مجاز عن قبول أعمال الزكا، أو عن التوفيق إلى أسبابه، وإلا لتناقض قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} فهذا الإستثناء دليل على ما ذكرناه، وقد قالوا في تعريف علم التصرف: أنه علم يعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، .........الظاهر والباطن [506]لنيل السعادة الأبدية، صرح بذلك القاضي زكريا في شرح رسالة القشيري، وعلى هذا فالتزكية فعل اختياري يطلب به غاية حميدة، وهي نيل السعادة، ولاخفا في أن الكسب راجع إلى مجرد المحلية، ولا دخل لاختيار العبد في كونه محلا لما يخلقه الله فيه، بل يكون محلا للفعل بالضرورة عند أن يخلقه الله فيه شاء أم أبا، كما قد صرح به المعترض فلا يتصور أن يطلب بالتزكية التي يخلقها الله فيه غاية حميدة وهي السعادة الأبدية؛ لأن ذلك يستلزم الإرادة والقصد في تحصيل الفعل، وليس ذلك إليه بل إلى الله تعالى على التحصيل؛ لأنه هو الذي يتعدى عن المحل دون الكسب، ولذا أمكن لنا أن ندعي أن قول الأشاعرة بالغاية والغرض في أفعال العباد اعتراف ي الحقيقة بأنهم محصلون لأفعالهم، وإلا لزمهم الإعتراف بالأعراض في أفعاله تعالى، وحينئذ فبطلان قول المعترض فظهر أن إسناد الفعلين ...إلخ، ظاهر إذلا كسب، وحيث لا كسب فالإسناد على أصولهم مشكل جدا، على أنك قد عرفت ما فيكلامه الذي رتب عليه دعواه للظهور، وبالجملة فأمر هذه الأباطيل لايحتاج إلى تطويل، كيف وهي مدافعة في وجه التنزيل ابتغاء الفتنة بالتأويل، وقوله: اختيارا استقلاليا تلبيس كما عرفته؛ لأنه لا يثبت للعبد اختيارا رأسا، وإنما يزعم أن توهم الإختيار اختيار غير مستقل، وتوهم القدرة قدرة غير مستقلة إلى غير ذلك مما هو من فضائح التأليف، وقبائح العقل السخيف، ومع ذلك فقد عرفت أنه يقول أنه لايكمل إيمان العبد حتى يرفع هذا التوهم، وعرفت أنه يقول أن مدار التكليف على ثبوت هذا الوهم الفاسد باعترافه الصريح، فلا يدري الناظر .........يتعجب هل من مخالفة اللغة في تسميته للإختيار والقدرة أو من لزوم سقوط التكاليف عن أمثاله من المؤمنين بمقالة أو من لزوم أنه لا يكلف إلا من توهم أنه شريك لله في ملكه، أو من غير ذلك من اللوازم على هذه المقالة الفاسدة، نسأل الله العافية.
وقوله: بل يكفي لصحة الإسناد كون العبد محلا، هو ما جرى عليه جمهور الأشاعرة حيث صرحوا بأن القيام كاف لكون الإسناد حقيقة، ثم فسروا القيام بالمحلية فلم يكن للعبد من أفعاله إلا ما للمكان والزمان، فاعتبروا يا أولى الألباب والأذهان، وقد كان للمعترض إشارة في القولة الأولى إلى هذا الشأن، وذلك في قوله يخلقه تعالى لا الفعل في العبد ...إلخ، فإن إتيانه بقي مناديا بأن العبد ليس إلا طرفا لما يوجده الله تعالى ويؤثر فيه تعالى من الأفعال التي هو محل لها كسائر الظروف، لايتجاوز الأفواه والأسماع.
صفحه ۱۰۷۳