بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك يا من شيد لأصول الدين أساسا ثابتا على قوائم القواعد، وأيد لوصول اليقين أناسا أشرقت لهم شموس الشواهد، فاضمحل معها نبراس الوهمي الفاسد، أعوذ بك من مواقف الضلال وضلال المقاصد، وأسألك معارف الجدال في صحائف العقائد، حتى يكون الذي مننت به علي من تجريد الفوائد، موصولا بتنقيح الفوائد، وتوضيح الزوائد، ويصح ما أوقفتني عليه ووفقتني إليه من مضمرات الإشارات ومغربات العبارات كشافا علة فوائد القلائد، وقلائد الفرائد.

وأستجير ببابك المفتوح لكل وارد، وفضلك الممدود لكل وافد، فأجرني من أن تصير مصادر أفعالي ووجوه أحوالي عاملة نصبة لعداوة المطهرين الأماجد، وأستعين بك في دفع الجور عن أهل العدل ورفع النصب لأهل البيت من كل جاهل جاحد، فحبهم يذهب زبد النصب جفاء، والعمل الصالح يرفعه في أحسن المقاعد.

وأصلي وأسلم على من ظهرت بوجوده طوالع الأنوار برغم كل جاحد، وبين الصبح لذي عينين من كل معاد ومعاند،، سيدنا محمد الذي ظهرت الذي أذعن بتصديقه من كان للمنتهى في الجدال قوي العضد والساعد، وامتنع تصور كذبه عقلا لا عند حمالة الحطب وأهل ذات الوفود ومن استوقد من نارهم نبراسا بلا نظر ناقد ولا ناقذ، فهو أحق عمى، وأبو جهل وابن ضلالة القائم فيها شر ....

صفحه ۲

القاعد، وعلى آله المطهرين المأمور بمودتهم في التنزيل الواضح والحديث الوارد، فأنى يتخطى إليهم الخطا بأن ينسبوا إلى جنابات الأعمال شيئا من الفحشاء أرادة وفعلا، وقد عانوا في الذب عنه مكائد المكارم، ومكاره المكابد، فهم أهل العدل الذي تساقطت الهمم دون مجاراتهم ومماراتهم من كل مجادل ومجالد، وهم الوارثون للكتاب العزيز والسنة الشريفة النبوية، فلهذا السلوك.... إليهم سهام المعصية لكنها أدركت كلالة لا خافض فيها ولا صارد، وهم الضاربون في كل فخر نسبهم قامروا أعدائهم يضربون في حديد بارد، فلا غرو إن قصر عن شادهم في المعارف والمعالي كل مراغم ومزاحم، ومطاعن ومطارد،

ولم أر أمثال الرجال تفاوتا

لدى المجد حتى غدا ألف......

وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله شهادة تكون للدين أساسا غير مائل ولا مائد، وتصبح في أفق اليقين شمسا ينطفي معها نبراس التخييل الفاسد، من كل صائل وصالد، ورضي الله عن أصحاب رسول الله الذي ذكرهم عهاد المعاهد، وشهد المشاهد كيف هم السابقون إلى أسنى المصادر وأهنئ المراصد، فهم الأحقاء بأن يقال في حقهم:

هم القوم كل القوم يا أم خالد

صفحه ۳

أما بعد: فإني لما وقفت على النبراس الطاعن في قواعد الأساس في مستهل شهر ربيع الأول من العام المجمل لعشرة أعوام بعد مائة وألف عام، وكنت بعد سماعي بوجوده أجيل في تطلبه سوائم نظري، وأحيل على ترقبه حوائم فكري، لأتصفح كنه مغزاه وأتفحص عما أراد مؤلفه بما اخترعه فيه وبما عزاه، وهو يومئذ يخفى في أيد جماعة يضنون به عن الابتذال، ويظنون أنه العاق النفيس الذي حقه أن يصاب ولا يذال، ويحسبون [1] أنهم في ذلك للكتاب بمجرد التمني والخيال، لكنهم لا يكادون يفقهون سنة، ومن غيره من كتب الفن الأمجد، وتوصيف الحال أو ترصيف المقال، حتى أفهمني معن الواقعين عليه أنه مما لا يمد أي حوله عنق الاعتراض والاعراض إليه، فزادني شغفا بالتطلع إلى أماكنه وأورثني لفها بالتطلب إلى مكامنه وهو مع ذلك كظل السائر يذهب هربا بالطلب، أو كلمع السراب لايطفو طالب السراب منه مأرب، ولقد كدت أحكم أنه مع العنقاء في السرداب أو يجهل رضوي برعي الأعواء في مزارع الأبدال والأقطاب.

ثم إن يدي وقعت عليه فوجهت النظر إليه فندمت على ما أفرطت في جنب البحث عنه من وط التطلب والسؤال، إذ رأيته في اختفائه شبيها بكسب الأشعري في خفائه، كما أنه يشابهه في الاضمحلال عند المناظرة والجدال

لا تنشر في طيه للأنصاب نشرا

ولم أجد تحت كبر حجمه إلا طغيانا وكبرا يروعك من سعد بن بكر جسومها

صفحه ۴

وتزهد فيها حين تقتلها خبرا

وكلما زدته نظرا زادنى خبرا عن ضلاله البعيد كلما التمست محط جوهره رأيته قد حكى لمن كان له بصر حديد عن غش جديد وزعل عتيد

سبكناه ونحسبه لجينا

فابدى السبك عن خبث الحديد

لكني وجدته يخبرني خبرا صادقا عن عدة تعصب في مؤلفه:

وشدة نزوغ ونزوح منه إلى إنشائه ومألفه

كأن يحن إلى أول أرض مس جلده ترابها

أو يقول: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلما خلا فسرى بها سرابها

ولذا طفق يقرع أبواب الخدش في قواعد العدل والتوحيد، وعلق بالطمع الفارغ في أن يقلع منها كل ثابتة اليد روما منه لإزالة ما لا يزول وليس بزائل، وخوفا على إحالة ما لا يحول وليس بحائل،

وليس بأول ذي هبة

وعنه لما ليس بالنائل

على أن ما حال في الآثار الدارسة بين أهل التدريس وما جاء إلا بكلام ملفق من أخلاق التلبيس، ثم أنه نفخ في الرماد ويذخ بمبني على غير عماد، ومندرس مندرج فيما بار وباد، عند كل حاضر وباد، ودفين على بقايا دفين، في طويل الأزمان والآباد.

صفحه ۵

ولما رأيته كذلك وتفظلت لما فيه من السلوك المحلولة والمسالك، وأحطت بما اشتمل عليه من الشكوك للعقود والمهالك، وخلته قد ساق على قواعد العدل العامرة، وتملق بترويج العبارات العابرة على .....الأنظار القاصرة، واشتغل بالعلامة وهو جار الله فجار عليه إلحاقا بمؤلف الأساس، وأورد في فصوله وفضوله كلاما ليس بينه وبين الإنصاف مساس، هينمته خوار، وهيعلقه جؤار، وريثته عوار، وزينته عار:

كساه بعار لتلبيسه ... على أنه خاف مستعار

ومع ذلك فقد كان سببا لانحراف بعضن المخذولين عن قواعد العدل والتوحيد، وسلما إلى ثلم الأساس وتغطية الكشاف بجرد الهوى والتقليد لولا أن هؤلاء المخذولين في تمييز التقليد والتقليل بسواد العدلية وفي ورطة التزويد، والتغفيل عن الأدلة النقلية والعقلية لعلموا أن تلك الكواكب النيرة بعيدة عن المس، وأنه لا سبيل إلى خدش ما حرره.....ولا إزالته بغير المحو والطمس

لا غرو أن يبلى شريف بخامل

.................الشمس

صفحه ۶

توجهت إلى إبانة مطارح أنظاره، ومطامح آرائه وأفكاره غيرة مني على الحقائق من ذنب [2] التلبيس وعيب آثاره، وقيدت العناية المطلقة بصرف ......معانيه .............والهداية بمناره، وسددت البيان تلخيصا وتخليصا من بد الجدال وغباره، وقيود التشكيك وآثاره، في مباحث تستوقف الناظر على كنز الحقائق، وثواقب تقذف في القلوب المنصفة برد التحقيق الكاشف لرمز الدقائق.

وإني لمعترف بالقصور، ولكني مغترف من فضل الله الذي هو ليس بمحظور ولا محصور.

وحين رأيت الكلام لا يفي بالتمام منذ هذا العام لا سيما مع عدم ظفري بالكتب المحتاج إلى استحصار ما فيها من كلام الأقوام، وأسانيد الأحاديث المروية عنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إذ كنت ببلد يلد ساكنوه حتى قيل إن هم إلا كالأنعام، فهم لا يعرفون المواقف والمقاصد، ولا تجريد الكلام.

أعرض صحفا عن تمكين الصفحات من رشف ألسنة الأقلام ، وطويت كشحا عن نشر تلك النفحات، ونشر الأعلام، ثم ادركت بعد أمة فرأيت إماطة بعض الشبه من المقاصد المهمة، واستحسنت أن أقدم بين يدي غواي ما يحقق أملي في الله ورجواي مسارعة في إزالة ما عساه قد اشتبك في أنظار الناظرين من دخان هذا النبراس، وحرصا على محراب العدل والتوحيد من زخرف المجادلة لهم، وقارعة الوسواس، فلربما هاجت عن النبراس نار عظيمة تستأصل جماهير من أهل ......ويبلغ شرر شرها إلى ما لا يبلغه النظر، وتنال منه، لا يكون أهلا للضرر، ومعظم النار من مستصغر الشرر.

صفحه ۷

فقدمت من ذلك ما يجري مجرى الألوكة، وخواطري للأخطار والحوادث مقيدة مملوكة، وجعلته أمام ما أرومه من تفكيك الأمراس لتشكيك النبراس، وتصفية الأكياس بتقوية الأساس، فهي هدية مني إلى كل من كان منصف أديب، وتحفه عني نحو كل منصف بالنظر غير غريب، ولم أبالغ في التنقيح وإنما مرمى مرامي هو التوضيح حتى أني لا أكاد أستغني بالتلويح، فإن ثبتت لي الوسادة لم آثر العنان عما طويت أولا عن نشره كجشي الإجادة، ووضعت موضوعا يكون محمولا على رأس الإفادة.

هذا وإني لما خرج بنا الكلام في ذلك، وطال وطاب، واستدعى كشف الغطاء على الخطأ بتثبيط الخطأ، حتى صار المجموع بما يستحق اسم كتاب بل امتلأ بما طال وطاب.

فلنسميه: الاحتراس عن نار النبراس، ليطابق اسمه معناه، ويوافق عنوانه مدارج مبناه، مع أن المنصف المتصف بقبول الحق من المصارم والمصاحب لا يرى هذا النبراس إلا من نار الخبا يخب.

وأما المعاندون المصرون على التقليد، والزاعمون أنهم يجدون على النار هدى، وهم ينادون من مكان بعيد، والقائلون: هذه النار نار ليلى فيميلوا ولا تصغوا إلى تفنيد.

فإنما يقرع أسماعهم لما طبعه ابن أبي الحديد، حيث قال في نظمه السديد:

هل أنتم إلا الفراش رأى السرج وقد توقد

صفحه ۸

فدناها حرق نفسه ولو اهتدى رشدا لأبعد وهذا أوان الشروع فامنحه أيها الناظر كمال الشعور، واترك التلفت إلى بنيان الأسلاف ومازلهم إذا لم تكن من أهل القصور.

واعلم أن مؤلف هذه الاعتراضات المبددة إنما وجد الفرصة على ما أورده مؤلف الأساس قدس الله روحه من الفوائد المسددة، والقواعد الراسخة المؤيدة، لعدم تحريره لها على قواعد أدب البحث ومقتضى علم الميزان، وهو الذي يعرف به القبحة والفساد في الدليل والبرهان، فربما أورد البرهان القاطع بما يصير به أقرب إلى الشبهة [3] التي يطمع في حلها كل طامع، وهكذا كان كثير من أصحابنا رحمهم الله تعالى لا تجدهم يحرصون في كلامهم على طوارق الخلل، ولا يتحرجون في مرامهم على عوائق الاضطراب والخطل،

ولكنني أحمي حماها وأتقي

أذاها وأرمي من رماها بمقنب

صفحه ۹

فكلامهم رحمهم الله تعالى وإن كان في غاية التوضيح والتبيين، وليس غالبه على حسب المألوف عند الخصوم من مراعاة تلك القوانين وحسن التحرير والتقرير وملاحظة مناصب الجدل بين المتناظرين، فربما وجدت في كلام بعضهم رحمهم الله انتقالا من منصب إلى منصب، وخروجا تارة من سبيل المحتج إلى مضيق المغتصب، فبينما هو مغلل إذ صار مانعا والعكس، الذي هو في باب المناظرة ليس نافعا ولا دافعا، وربما ترك بعضهم إحدى مقدمتي القياس عن شرط يخل به فقدانه، وهو لا يلتفت إلى أنه قد اختل برهانه، ما ذاك إلا لأنهم جزاهم الله خيرا لم يلتفتوا إلى جانب العبارات والمباني إلا بقدر ما يتوقف عليه المقصود، ومن قرع الأذهان بالمعاني، وإنما هم بصدد النصح والهداية والإشارات إلى الحقائق الثابتة في نفس الأمر بلا اعتبار معتبر، ولا مراعاة في رعاية، فإن الحقائق ليست مربوطة بالألفاظ ولا موقوفة على العادات، والمدركات ليست مشروطة بالاحتفاظ على مجرد العبارات والاعتبارات، فطال ما أشرقت وجوه الحقائق لطالبها في عبارة مظلمة الأرجاء، وانكشفت أستار الدقائق مع العوائق عن عيون اليقين ببلوغ الرجاء، فإن البرهان القاطع في نفس الأمر لا يضره اللفظ باضطرابه القلق، كما أنه لا يضر السيف القاطع قرب قرابة الخلق.

ما إن يضر الغضب كون قرابة

ض

خلقا ولا البازي حقارة عشه

نعم: قد وقع في كلام الإمام صاحب الأساس قدس الله روحه في دار الثواب نوع اختلال وغفلة واضطراب في مواضع معروفة عند ذوي الألبابن وقل أن يسلم من جميع النقائص أحد من ذوي الخصائص،

ومن ذا الذي ترضا سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

صفحه ۱۰

ثم اعلم: أن العلماء شكر الله سعيهم ما اصطلحوا على تلك الرسوم التي سموها أدب البحث والمناظرة، ونسبوا من مال عنها إلى العناد والمكابرة صونا عن الخبط، وعونا على الضبط، وهذا المعترض الذي هو صاحب النبراس لا يكاد يفوق في هذا المجال بين الرجل والرأس، ولا يكابره ذلك براعي تلك القوانين والمناصبن وإنما ينقلب بحسب أغراضه وأمراضه، ما بين رافع وناصب، فلهذا جربنا ناره على مثاله في عدم المراعاة لتلك القوانين، ونسجنا طورا على منواله في البحث طمعا في كمال التبيين.

فإن المجيب في يد الباحث كالرهين فقد يخرج الحق أيضا من مقام إلى مقام، روما لحسم رأيه العضال، ومعضلة الزحام.

والله سبحانه ولي الإعانة في الابتداء والتمام، وبيده التيسير للإبانة في المصطلح وحسن الختام.

قال المعترض: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله الذي أبان بطوالع أنوار المثاني أساس قواعد العقائد، وأعان لتجريد الحق واستخلاصه من بين مواقف الآراء المختلفة، ومراصد الأهواء المضللة، وتحقيق المقاصد، وهو الله خالق كل شيء عامل وعمل، علوي وسفلي، هابط وصاعد، فإن بيده ملكوت شيء فيخلق ما يشاء ويختار، فلا يشاركه من خلقه في الإيجاد واحد، سبحانه هو القاهر فوق عباده، فكل في قبضة قدرته، [4] من موافق ومعاند، فأنى لمقهور أحداث ما يشاء على الاستقلال، دون الفعال لما يريده من كل معترف وجاحد.

صفحه ۱۱