454

وحاصل الأمر هنا أن الأشاعرة نافون للحكمة والغرض تفريعا على نفي الحسن والقبح عقلا، بل هو تفريع على الإيجاب كما عرفت وهم مغرقون بين ايجاد القبيح وكسبه، فجعلوا كسب القبيخ قبيحا ولم يجعلوا إيجاده والتأثير فيه قبيحا، بل حسنا، وليس في طوق المريد لالزامهم بالمناقضة أكثر من هذا، وقد صرحوا أيضا بأن إرادة القبيح غير قبيحة بناء منهم على نفي القبح العقلي ، وإلا فهم لا ينكرون أن إرادة القبيح الذي هو قبيح في نفسه قبيحة فإذا كانوا يرون أن إرادة القبيح غير قبيحه فالإرادة أدخل من القدرة في المشاركة للعقل في حسنه أو قبحه لاشتراك القصد والمقصود إليه في تلك الجهة كما لا يرتاب في ذلك أحد، وليس كلامهم في خصوص إرادة الباري تعالى حتى يقال إنما قالوا بذلك؛ لأنه لا يقبح منه تعالى قبيح عندهم فإن كلامهم في مطلق الإرادة أعم من الأزلية، فأفعال العبد الاختيارية لا يخلو عندهم من قدرة وإرداة غير مؤثرتين فيه، فإما أن يقولوا: أن إرادة العبد لفعله الاختياري قبيحه أو لا، إن كان الأول لزم محذورات منها أنهم قد قالوا في مسألة التحسين والتقبيح كما في شرح المواقف وغيره أن إرادة العبد من أفعال الله تعالى يعنون أنها من أفعال الله التي لا دخل لكسب العبد فيها، فمن أين يجيئها القبح، ومن أين يلزم قبجها، فإن قالوا: جاءها القبح من جهة كسب العبد للفعل -أي أن الفعل من حيث كونه كسبا للعبد وتعديا للحد[238] الشرعي يكون مؤثرا في قبح إرادته التي هي فعل الله تعالى ابتداء بلا واسطة الكسب أن فعل العبد يكون مؤثرا للقبح في فعل الله تعالى وهو باطل قطعا واجماعا، ويلزم ذلك أن فعل العبد من حيث كونه كسبا له، ويلزم من ذلك أنه يكون للقبح في قعل الله الذي هو إيجاده تعالى لهذا الفعل القبيح المكسوب للعبد فرق بين أفعال الله تعالى، وإن كان الثاني لزم محذورات منها أنه سقط الانكار لإرادة العباد وذمها في القرآن في عدة آيات منها: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} يريدون أن يهدوا ممن أضل الله ... مما استدل به المجبرة على مذهبهم كما مر، وسيجيء أيضا {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} سقط أيضا مدحها أي إرادة العباد ومدحهم عليها كقوله تعالى، {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}، ومن هذا القبيل قوله تعالى تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه...} الآية إلى غيرها مما لا يحصى، وبالجملة فإرادة العبد وارد في الكتاب والسنة تحسينه وتقبيحه ومدحه وذمه كسائر أفعال العباد لا ينكر ذلك إلا مكابر كما أنه لا ينكر اختلاف الفعل وإرادته حسنا وقبحا إلا مكابر أو جاهل، وهذا أحد المحذورات اللازمة على هذا التقدير الذي هو تقدير القول بان إرادة العبد قبيحة، وهذا المقام يكفيه هذا القدر مما يلزم الأشاعرة، ثم ليت شعري أن قيل لك أيها المعترض: لا فرق في العقول بين اتخاذ الفحشاء وبين الأمر بها، بل ربما كان الأمر بها أقل قبحا من اتخاذها.

والتاثني:وجه تنزيهه تعالى.... مع أن هذا القرآن اللفظي الذي وقع فيه...... الأمر بالفحشاء قديم عندك تقليدا منك للعضد كما سلف، فلا يجوز لك حينئذ أن تقول في الجواب هو مالك يفعل ما يشاء؛ لأن هذا حواب من يجعله من صفات الأفعال كما هو مذهب الأشاعرة ما خلا العضد، وأين أنت سال بك السيل.

صفحه ۵۰۴