1285

ومما لا يخفى أن الجهمية إنما نفوا القدرة لأنهم أثبتوا أن التأثير في جميع أجزاء الفعل لله فتنزهوا أن يدعوا أن للعبد اسم قدرة حادثة وهو بمعزل عن الاقتدار وبنجوة عن الآثار فكانوا أبعد عن المناقضة من الأشاعرة الضاربين في حديد بارد، ثم إنهم أعني الجهمية لم يتكلموا صريحا في نفي القدرة لاعتقادهم أن نفي التأثير هو بعينه نفي لها لما عرفت من أنها صفة تؤثر على وفق الإرادة كما اعترف به الأشاعرة ومن زعم أن الجهمية تعرضوا لنفي قدرة لا أثر لها فقد ادعى ما لا شاهد عليه إلا تصريحهم بنفي تأثير العبد في أفعاله وهو بعينه نفي للقدرة رأسا وقد نقل المعتزلة كلام جهم على وجهه بل ناظروه وأفحموه مرارا وما دار الكلام بينهم في غير التأثير، ثم إن جميع شبه الجهمية التي في كتب الأشاعرة وغيرها ليس فيها أكثر من نفي تأثير قدرة العبد وقد وافقهم الأشاعرة على هذا وأردوا شبههم بعينها على العدلية ثم لما أرادوا الترفع عن الجهمية والفرار عن مكابرة الضرورة ما جاءوا في ذلك إلا بما لا يتجاوز العبارات ولم يخرج عن دائرة اللفظي إلا بالإيهامات والتخييلات حتى ظن من ظن أن بين الجهمية والأشعرية فرق وركن إلى مجرد الأقوال ولو تحقق الأمر لطار فرقا، فقول المعترض: قالوا إنه بمنزلة الجماد، قول أصاب قائله، وإذا رميت يصيبني سهمي، وما أشبه الليلة بالبارحة.

صفحه ۱۴۲۰