فیلسوف و هنر موسیقی

فؤاد زكريا d. 1431 AH
175

فیلسوف و هنر موسیقی

الفيلسوف وفن الموسيقى

ژانرها

علم الجمال هو ذلك الفرع من الفلسفة الذي يختص بدراسة القيم الفنية، مثلما أن الأخلاق تبحث في السلوك القويم، والميتافيزيقا في المبادئ الأولى، والإبستمولوجيا في نظريات المعرفة، والمنطق في استخدام الفكر للمعرفة على الوجه الصحيح. ويعد كل من هذه الفروع الخمسة للفلسفة ميدانا متخصصا من ميادين البحث، وكل منها يمثل جانبا لمذهب فكري عام. لقد كان فلاسفة العصور القديمة والوسطى يبحثون في الجميل والقبيح، والهزلي والتراجيدي، والجميل والجليل، ضمن نطاق موقفهم الفلسفي الشامل؛ فنظرة الفيلسوف إلى الجميل هي في هذه الحالة نتاج لتحليله الأساسي لطبيعة الكون ودور الإنسان فيه. ولقد رأينا، في التفسير المثالي الذي قدمه أفلاطون للعالم، أن الموسيقى كانت توصف بأنها محاكاة لمثل تجريدي أعلى، وصدى للانسجام الكوني. وفي فلسفة «سكستوس إمبريكوس

Sextus Empiriccus » نجد تعريفا للموسيقى أقرب إلى العقول، هو أن الموسيقى لا تعدو أن تكون نوعا من أنواع التعبير الإنساني. أما في أيامنا هذه فإن أصحاب الاتجاه المثالي وأصحاب الاتجاه الطبيعي في الفلسفة منقسمون إلى فرق تتفاوت آراؤها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ومهما اختلفت درجات الفروق العقلية داخل هاتين الفئتين، فإن فلاسفة القرن العشرين يندرجون أساسا ضمن إحدى هاتين المدرستين الفلسفيتين؛ فالمثالية أو الطبيعية كانتا أساس آراء الفلاسفة عن الموسيقى في الماضي والحاضر؛ أي منذ أيام أفلاطون حتى ديوي. ولقد كان للآراء التي أبداها الفلاسفة تأثيرها في الحياة العقلية والفنية للإنسان طوال تاريخ الحضارة الغربية.

ومن شأن المفكر الذي يتخذ من المثالية الفلسفية أساسا لقيمه الفنية الموسيقية أن يعلي من قدر الملكات العقلية فوق الملكات الحسية، وقد يبالغ في تأكيد أهمية العقل، ويقلل من أهمية الانفعال في المسائل الجمالية. وترتكز قيمه على المقدمة المثالية القائلة إن العالم ينقسم إلى روح ومادة ونفس وجسم، وإن القوانين الطبيعية التي تتحكم في الجسم المادي لا سلطان لها على النفس الروحية. وهو خليق بأن ينظر إلى المؤلف الموسيقي والمفكر الميتافيزيقي على أنهما شريكان في السعي إلى كشف الحقيقة الحقة للإنسان؛ الأول بالنغم والثاني بالفكر الفلسفي؛ فالميتافيزيقي والمؤلف الموسيقي يقرباننا من المثل الأعلى الشامل، ويرشداننا بالفلسفة إلى العالم الروحي، أو يكشفان لنا بالموسيقى عن لمحة خاطفة من الجمال الكوني الرائع.

ولقد كانت المذاهب الجمالية الموسيقية المبنية على المثالية الفلسفية تعلل أصل الموسيقى، طوال التاريخ الغربي، عن طريق الميتافيزيقا، وتفسر معنى الموسيقى من خلال الغائية، وطبيعة الموسيقى من خلال الأخلاق؛ فالمثاليون ينظرون إلى الموسيقى على أنها تجسيد حسي لفكرة تتخذ مظهر الأنغام والإيقاعات الموسيقية. وليس من المستبعد عليهم، حتى في وقتنا الحالي، أن يؤكدوا أن الموسيقى تستطيع أن ترفع أخلاق الإنسان أو تحط منها، بل إن هناك من المثاليين من يعتقدون أن الموسيقى هبة منحها إله كريم للبشر، حتى يعينهم على تحمل مصيرهم على الأرض.

وللمثالي معيار موضوعي للقيم؛ فهو يذهب إلى أن للموسيقى في ذاتها خصائص معينة تجعلها جيدة أو رديئة. وقد نخطئ في تقديرنا لموسيقى معينة، كما أننا قد نغير رأينا، بحيث تختلف أذواقنا على مر السنين، ولكن التغير في هذه الحالة إنما يطرأ علينا نحن في تفسيرنا لهذه القيم. أما القيم ذاتها فتظل ثابتة، كما يؤكد المثالي؛ إذ إن الجمال في الموسيقى، مع الحق والخير، هو الطرف الثالث في الثالوث الأزلي الذي لا يطرأ عليه أي تغيير.

أما الفيلسوف ذو النزعة الطبيعية، فلا يشارك المثالي ميله إلى التقسيمات الثنائية؛ فليس من المحتمل أن يوافق ذلك الذي يبني قيمه الجمالية على النزعة الطبيعية في الفلسفة على الرأي المثالي القائل إن الموسيقى تكشف «حقائق عليا»، أو تتيح للسامع بصيرة يعبر بها الهوة بين ما هو حقيقي، وما هو غير حقيقي. وإنما يكفيه أن ينظر إلى الموسيقى، على أنها تعبير عن الانفعال البشري، لا تجسيد حسي لفكرة روحية. وهو لا يعتقد أن الموجودات المتناهية يمكنها أن تصل بفضل الموسيقى إلى حالة من النشوة التي توحدها مع اللامتناهي. ومع ذلك فلا شك في أن صاحب النزعة الطبيعية وصاحب النزعة المثالية يشعران بنفس النوع من الانفعالات عندما يستمعان إلى الموسيقى، والفرق بينهما هو أن كلا منهما يشكل استجابته الشخصية للموسيقى وفقا للموقف الأساسي الذي يتخذه في الفلسفة؛ فعلى حين أن المثالي يضفي - بطريقة صوفية - دلالة روحية على التجربة الجمالية، فإن الطبيعي يرد - بطريقة تجريبية - قائلا إن التجربة الجمالية تتيح لنا تحررا مؤقتا من العوامل المحيطة بنا مباشرة، ومهربا من المحن والأزمات التي نواجهها، وتتيح لنا وقتا نستجمع فيه قوانا، أو نستنفدها في تربة جديدة تضيف إلى حياتنا تنوعا، وتضفي على وجودنا معنى جديدا.

وفي رأي صاحب النزعة الطبيعية أن العالم دائم التغير؛ فهو لا يقبل الرأي المثالي القائل إن جمال الموسيقى يعني احتواءها على صفات كامنة لها طبيعة مطلقة ومستقلة عن التفسير الذاتي للسامع، وهو لا يفسر الموسيقى من خلال الميتافيزيقا العالية أو الغائية أو الأخلاق، وهو مع إدراكه الواضح لتأثير الموسيقى في السلوك البشري، لا يجد أي ارتباط معقول بين التعبير عن الانفعال البشري في اللحن والإيقاع، وبين الإرادة الإلهية والخير الشامل. وإنما يعتقد أنصار النزعة الطبيعية أن الموسيقى صورة أخرى من صور التعبير، توصل إليها الإنسان خلال تطوره، وبواسطتها ينقل مشاعره وأفكاره؛ وبالتالي فإن الإنسان هو الحكم الوحيد على قيمة الموسيقى التي يخلقها أو يتذوقها، أما إذا كان المرء جاهلا بالطبيعة والتركيب الأساسيين للموسيقى، وإذا ظلت الموسيقى مجرد أنغام وإيقاعات متنوعة لا أثر لها سوى أن تطرب الحواس، فعندئذ يكون مثل هذا الشخص خليقا بأن يتخذ من العارفين بأسرار الموسيقى أصناما زائفة، وينظر إلى كلمات الناقد الموسيقي المحترف على أنها صوت نبوءة دلف؛

8

فالجهل في الموسيقى، شأنه شأن الجهل بمعناه العام، يورث الخوف من المجهول والخرافة وعبادة الأصنام.

ومن الممكن وضع مذهب في القيم الجمالية يجمع بين آراء معينة مستمدة من المثالية والطبيعية معا. والواقع أن أولئك الذين يؤثرون التوفيق بين القيم الموسيقية يحاولون بناء مذهب من تلك النقاط التي تروق لهم في المذهبين المثالي والطبيعي في علم الجمال. هكذا فإن المذهب التوفيقي في القيم الموسيقية قد لا يصبح أكثر من مجرد خليط موسيقي بين عناصر لا اندماج بينها، ولكنه قد يصبح أيضا محاولة إيجابية يحاول فيها السامع أن يطبق أكثر فئات القيم منطقية على الأساليب الموسيقية المتغيرة، ليصل إلى حكم جمالي على قيمة الموسيقى موثوق منه إلى أبعد حد.

صفحه نامشخص