وبالمثل لا يمكن أن تكون الموسيقى في ذاتها سياسية، كما أكد جوتة، أما كلمة شومان القائلة إن خطط الثورة يمكن أن تكتب بين أسطر سيمفونية دون أن تتنبه إليها الشرطة، فهي كلمة مفرطة في رومانسيتها، كذلك لم يكن شوبان بأقل رومانسية عندما أوضح لقيصر روسيا، الذي غزت جيوشه بولندا، أنه سيجد في «مازوركات
Mazurkas » مواطنها شوبان ألحانا موسيقية تحض الناس على أن يثوروا على الغاصبين. ولقد اعتدنا الآن أن نربط ألحانا موسيقية معينة بالوطنية والعمل السياسي، وقد تكون هذه الموسيقى تقليدية، أو مكتوبة خصوصا من أجل إلهاب الشعور القومي عند المواطنين. ومن الجائز أن لموسيقى شوبان معنى كهذا عند البولنديين، كما أن من المؤكد أن موسيقى فيردي كان لها هذا المعنى عند الثوريين الإيطاليين. غير أن الموسيقى ليست في ذاتها وطنية، وإنما هي تولد وتبعث شعورا بالوطنية فحسب؛ فما نربطه بالموسيقى هو الذي يجعلنا نسمي هذا النوع من الموسيقى سياسيا وذلك دينيا؛ فالأول قد يكون سريعا في إيقاعه، ناريا في روحه، عالي الأبواق والصنوج، والثاني قد يكون خافتا هادئا، أو حزينا متهجدا، ولكن الموسيقى لا يمكنها أن تبعث فينا هذا الشعور أو ذاك، إلا لأن هذه الإيقاعات والأنغام لها دلالة حضارية في نظرنا، تحركنا انفعاليا في هذا الاتجاه أو ذاك.
ورابعا: ليست الموسيقى رياضة فحسب. إنها في أساسها ذات تركيب رياضي، ولكنها أكثر من الرياضة وحدها ؛ فقد يرجع الباحث النظري التجمعات النغمية التي يستخدمها الموسيقي بحدسه إلى الرياضة، غير أن هذا الباحث النظري لا يحاول تفسير السبب الذي اختار من أجله الموسيقي هذه التجمعات بعينها، وحتى لو حاول ذلك فلن يستطيع. أما الموسيقي فيعلم عن وعي أن مجموعات معينة للأنغام أصلح من غيرها للتعبير عن مشاعر معينة، ولكنه لا يستدل بطريقة عقلية على أن هناك علاقات رياضية معينة، ضمن المجموعات النغمية التي يستخدمها، تعطيه التأثير المطلوب. وهو إما أن يستخدم أنماطا نغمية تقليدية، ويذهب في ذلك إلى حد التطرف، كما فعل موسيقيو عصر النهضة وعصر الباروك في تلك النماذج الموسيقية التي استخدموها للتعبير عن المشاعر بطريقة ثابتة موحدة، وإما أن يخلق تجمعات نغمية جديدة يخصصها لهذا الغرض، ويقول بها ما يريد أو ما يتعين عليه أن يقوله. ولو كانت الموسيقى رياضة، ورياضة فحسب، لأصبحت علما دقيقا كالرياضة ذاتها، يعبر فيه الموسيقار عن الأحوال النفسية بطريقة ثابتة موحدة، بدلا من أن تظل فنا يعبر عن الانفعالات بطريقة فريدة. مع ذلك فإن الموسيقيين في الماضي والحاضر، ممن كان لديهم شيء جديد يقولونه بطريقة غير تقليدية، قد اتهموا كلهم تقريبا بأنهم يردون الموسيقى إلى مجرد رياضيات.
وخامسا: ليست الموسيقى محاكاة لنظام كامن من الأصوات الموسيقية في الطبيعة؛ فلقد كان واضعو نظامنا الموسيقي القدامى يعتقدون بوجود نظام أولي من الأصوات كهذا في الطبيعة، ويجوز أنهم تصوروا أنهم مجرد مقلدين لهذه الأصوات الطبيعية في الموسيقى. والواقع أن موسيقانا مبنية على علم للصوت بدأ بالأبحاث التجريبية للفيثاغوريين، وزاده أرسطوكسينوس تقدما، وطوره بعد قرون زار لينوز ورامو وباخ كل هؤلاء كانوا يعتقدون، بدرجات متفاوتة، بأن موسيقاهم تحاكي نظاما طبيعيا للأصوات، موجودا من قبل، وحاولوا أن يفسروا أساليبهم ومذاهبهم وفقا للقانون الطبيعي، ولكن الطبيعة في واقع الأمر لا تنطوي على نظام من الأصوات كهذا. وكما قال هانسليك، فليس في الطبيعة «سابعات مسيطرة
dominant sevenths » أو ثالثات صغيرة (
minor thirds ). ومع ذلك فكثيرا ما يحدث أن توصف الموسيقى الجديدة التي لم تألفها آذاننا، والتي تزعجنا أكثر من غيرها، بأنها غير طبيعية، كأن الموسيقار يكفر بنظام نغمي مقدس في الطبيعة.
فما هي الموسيقى إذن، إن لم تكن ميتافيزيقا ولا رياضة ولا أخلاقا ولا سياسة ولا دينا، ماذا تكون الموسيقى عندئذ؟ إنها كل ذلك وأكثر منه. إنها ما قال الشاعر ويتمان إن الآلات توقظه فيك. إنها تجربة الحياة اليومية، ولكنها تعلو على التجربة. إنها صدى نغمي لأحلامنا وآمالنا، ولصراعنا وألمنا. إنها فن ساحر بإيقاعاته، قادر على التغلغل في الأعماق الباطنية للبدن وللنفس والتحكم فيها، كما أدرك الفلاسفة القدماء بوضوح. إنها أنماط من الأنغام منظمة في قوالب حسب أوزان محددة، نربط بها كل ألوان المشاعر الإنسانية. والحق أن ما نضيفه نحن أنفسنا على الأنغام والإيقاعات، وما توقظه هذه الأنغام والإيقاعات فينا، هو بعينه الذي جعل شاعرا آخر يقول: «إن النغم ... فيك أنت.»
الموسيقى شعور متجسد في رموز إيقاعية ونغمية، ولكن من واجبنا ألا نتصور أبدا أن هذه الرموز هي الموسيقى ذاتها، وإلا كنا نخلط بين الرمز وما يدل عليه؛ فالموسيقى هي ما ينتجه العازف بالأنغام والإيقاعات على آلته. وهي في أساسها لحن وإيقاع يثير انفعالاتنا ويوقظ خيالنا. وقبل هذا كله فالموسيقى هي ما نضيفه نحن أنفسنا على هذه الألحان والإيقاعات من تجربتنا الخاصة، ومن آمالنا وأمانينا. والموسيقى بالنسبة إلى حضارتنا الغربية ظاهرة ثقافية ينقل بها الإنسان انفعالاته إلى الآخرين بطريقة تثير من الانفعالات أكثر مما يثيره أي ضرب آخر من الفنون. وهي لا تستطيع أن تضحك أو تبكي، وليست حزينة ولا سعيدة، بل إن بعض الأنغام والإيقاعات تثير مشاعر قريبة من حالة المرح أو الحزن؛ فلا يمكن أن تكون الموسيقى ما تكونه بالنسبة إلي، أعني مرحة أو حزينة، إلا إذا كان في استطاعتي أن أبعث من داخلي مثل هذه المشاعر؛ فأنا الذي أربط هذه الحالة النفسية، أو تلك بهذا الإيقاع، أو تلك النغمة. وأنا الذي أضفي قيمة بشرية، ومعنى بشريا على الأصوات والحركة الموسيقية.
إن الموسيقى تبدأ بالمؤلف الموسيقي الذي تنقل إلينا أحواله وأفكاره الموسيقية عن طريق العازف أو القائم بالأداء عادة . وهكذا تختلف الموسيقى عن معظم الفنون الأخرى؛ إذ إننا نحن السامعين نبتعد عن مقاصد المؤلف مرتين على الأقل. وقد نشعر بالإعجاب الشديد إزاء القدرات الموسيقية للقائمين بالأداء، ولكنهم مع ذلك ليسوا خالقين، وإنما هم مرددون لما خلق من قبلهم. وهم في مرتبة أقل من حيث الفن؛ إذ إنهم يقتصرون على توصيل أحوال المؤلف وأفكاره لنا. وإذا كان هناك أساس تجريبي معين، في الرسم والنحت، لإصدار حكم على نسخة ترمي إلى محاكاة الأصل، نظرا إلى أن الفنون التصويرية والتشكيلية تقدم معيارا ملموسا للتقويم، فإن المرشد الوحيد في حالة الموسيقى هو شعورنا فحسب.
القسم الثالث: فلسفة للقيم الموسيقية
صفحه نامشخص