88

دموع البلياتشو

دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تنشر لأول مرة

ژانرها

سألت متلهفا: قراءاته؟ هل ظل حريصا على القراءة يا أمي؟

قالت كأنها تعتب عليك أيضا: طول الليل يا ولدي ... ثم وهي تبتسم: كأنه داء بالوراثة. سألت بصوت لم يخل من الندم والاعتذار ولم تغب عنه اللهفة: وهل كان يكتب أيضا يا أمي؟ ألم تلاحظي أنه كان يمسك القلم أحيانا ويسود صفحات بيضاء؟

قالت كأنها تتمنى أن ترحمها من كثرة الكلام التي أتعبت قلبها:

لم ألاحظ يا بدر، إلا أنه ترك السيرك والتمثيل وسيرته وانصرف لعمله في المشروع، أحيانا كنت أراه يقرأ أو يكتب طول الليل وأحذره من البرد وأحضر له البطانية ليغطي ساقيه، وأذكره بأن يلبس الشراب في قدميه، لكن بعد حضورك للدنيا لم يعد يشغله إلا العمل والجري علي وعليك، حتى أصحابه الذين كانوا يزوروننا أحيانا من جيراننا في المشروع، كانوا يتندرون على استقامته وتفانيه في عمله وإخلاصه أحيانا.

انتبهت فجأة وسألت مشجعا رغم فداحة إحساسك بالذنب ويقينك بأن السقف لو انهار ووقع البيت فستكون أنت المسئول عما حدث: أحيانا ماذا يا أمي؟ هل حن مرة للتمثيل أو السيرك؟

قالت في صوت ضعيف كأنه يخرج من أغوار مغارة في الجبل:

التمثيل؟ لا لا، ولكنه لم ينقطع أبدا عن الذهاب للسيرك كلما نصب خيامه في البلد حتى انقطع تماما بعد أن أخذته الحكومة. قلت ملهوفا: مفهوم مفهوم، لكنك ذكرت أنه أحيانا ...

قالت وفي صوتها رنة الشكوى من تعذيبك: نسيت يا بدر، نسيت يا بني. تشبثت رغم كل شيء بالسؤال كأنك تلسع بسوطك الحصان العجوز الذي برك على الأرض من شدة التعب: ألم يكن يواصل الكتابة كما قلت طول الليل؟ كان بالطبع يقطعها أو يمزق ما كتبه أو يقول لك شيئا.

قالت لك مصممة على إنهاء الحديث الذي طال: نعم نعم، أحيانا كان يردد كأنه يكلم نفسه: أنا النديم الفاشل، أكتب مذكرات لن يقرأها أحد ولن يسمعها أحد.

سألت كالملسوع وقد هزك الشوك الذي لم تقو على كتمانه: النديم؟ هل قال النديم؟ أين هذه المذكرات يا أمي؟ أرجوك تكلمي، أين هذه المذكرات؟

صفحه نامشخص