Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
Géneros
لن تراني
[الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر.
ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول:
هذا ربي
[الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال:
لا أحب الآفلين
[الأنعام: 76]،
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]،
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
Página desconocida