Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[1 - سورة الفاتحة]
[1.1-7]
قال الشيخ - رحمه الله ونفعنا به وبعلمه في الدارين -: سميت الفاتحة لمعنيين:
أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمن فيها: حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها.
1- فمراتب الربوبية عشرة:
أولها: مرتبة الاسم؛ بأن له تعالى أسماء.
والثاني: الذات.
Página desconocida
والثالث: الصفات.
فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في { بسم الله الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 1].
والرابع: الثناء.
والخامس: الشكر.
وهما حاصلان في { الحمد } [الفاتحة: 1].
والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في { لله } [الفاتحة: 1].
والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في { رب العالمين } [الفاتحة: 1].
والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في { ملك } [الفاتحة: 1].
والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في { يوم الدين } [الفاتحة: 1].
والعاشر: الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 1].
Página desconocida
2- وكذلك في مرتبة العبودية عشرة:
أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب.
والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له.
والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية.
والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه.
والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره.
والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعلم والإخلاص.
والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خلق لهذا كما قال تعالى:
قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم
[الفرقان: 77] وقال تعالى:
Página desconocida
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى والمنية القصوى.
والتاسع: الاستهداء عنه ليهتدى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية.
والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم نعمته عليه ، ولا يغضب فيرده إلى الضلالة والغواية.
وهذه المراتب كلها حاصلة في { وإياك نستعين } إلى آخر السورة فافهم جدا.
3- ومراتب الأمور الدنيوية أربعة:
الملك والملك والتصرف فيهما بالملكية والمالكية، وفاتحة الكتاب مشتملة على هذه المراتب كلها كما أشرنا إلى طرف منها، وسنبينها في تفسيرها إن شاء الله تعالى، ولهذا المعنى أيضا سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب في الحقيقة مصدر حقائق كل دين، وكتاب ومنشأ دقائق كل حكم وخطاب، كقوله تعالى:
يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب
[الرعد: 39].
Página desconocida
وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من ال " اسم " وأثبت مكانه الباء، وقال: { بسم } فعشرة معان:
أحدها: إن في الألف ترفعا وتكبرا وتطاولا، وفي الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث:
" من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله "
وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه كلامه، فتطاول كل جبل طمعا أن يكون محلا لموسى عليه السلام، وتصاغر طور سيناء في نفسه " متى أستحق أن أكون محلا لقدم موسى عليه السلام في وقت المناجاة؟ " فأوحى الله تعالى إلى موسى: " أن ائت ذلك الجبل المتواضع الذي ليس يرى لنفسه استحقاقا " فكذلك حال الباء مع الألف.
وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف خصوصا الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه -:
" أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته "
حديث صحيح.
وثالثها: إن الباء مكسورة أبدا فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرب العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ".
ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضدها. أما رفعه درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه لما عرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحدا بسكون حاله كحال موحد لا يقبل إلا واحدا، وعابد لا يعبد إلا معبودا واحدا، وقاصد لا يقصد إلا مقصودا واحدا ومحب لا يحب إلا محبوبا واحدا.
Página desconocida
وخامسها: إن للباء صدقا في طلب قربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيقي والمطلوب الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها الجيم وإن كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر.
وسادسها: إن الألف حرف العلة وهو معلول لا يتحمل الحركة، والباء حرف صحيح غير معلول يتحمل الحركة وحالهما كما أن الله عرض الأمانة على أهل السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم
فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72] فأمر الملائكة بالسجود له فأبى إبليس واستكبر فلعنه الله وأسقطه عن قربته وطرده عن جواره وحضرته، واصطفى آدم من بريته واجتباه لقربته وزاد في علو درجته وهداه إلى محبته ومعرفته.
وسابعها: إن الباء حرف تام متبوع في المعنى وإن كان ناقصا منكسرا تابعا في الصورة، والألف حرف ناقص تابع في المعنى وإن كان تاما متبوعا في الصورة ألا ترى أنك إذا نظرت إلى صورة وضع الحروف وجدت الألف مقدما على الباء متبوعا له، وإذا قلت الباء وجدت الألف تابعا وإذا قلت الألف لم تجد للباء تبعية فالابتداء بالمتبوع التام في المعنى والناقص المنكسر التابع في الصورة أولى من الابتداء بمن هو على مثل هذا.
وثامنها: إن الباء حرف عامل يعمل ويتصرف في غيره، فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء، والألف ليس بعامل ولا متصرف في غيره فليس له هذا القدر والقدرة، فما صلح للابتداء والاقتداء.
وتاسعها: إن الباء حرف في صفاته مكمل لغيره، فكماله في صفاء نفسه بأنه للإلصاق والاستعانة والإضافة، وفيه تواضع إذا لم تقبل من الحركات إلا الكسرة، وله علو وقدر في تحميل الغير بأن يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسور الصفات نفسه بحيث كل اسم يجيء خلف الاسم التابع له يكون مسكورا بالإضافة، والذي يجيء بعده يكون مكسور بالصفة إلى غير النهاية كما دخل على الاسم، وجعل ميم بسم مكسورة، وجعل الهاء من الله مكسورة بالإضافة، والنون من الرحمن مكسورة بالصفة، والميم من الرحيم أيضا مكسورة بالصفة لو شئت هلم جرا، فالكامل المكتمل أولى بالإمامة والتقدم من الألف الذي هو ناقص معلوم في نفسه منقص معلل لغيره، فإنه لو دخل في الفعل الماضي يجعله مهموز الفاء معتل العين ناقص اللام.
وعاشرها: إن الباء حرف شفوي تفتح الشفة به ما لم تفتح بغيره من الحروف؛ لأن بالميم وإن كان شفويا لا تفتح الشفة به كما تفتح بالباء حسا، وكان أول انفتاح فم الذرة للإنسانية في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172] بالباء في جواب { بلى } فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه، وكان مخصوصا بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية اختيارها من سائر الحروف، فاختيارها ورفع قدرها وإعلاء شأنها وأظهر برهانها وأعز سلطانها وجعلها مفتتح كتابه ومبتدأ كلامه وخطابه، وأعطاها رفعة الألف وقامته وتقدمه على الحروف وإمامته فحذف الألف في { بسم الله } وطول باؤه لإظهار تعظيمها وتفخيمها؛ إذ منها مرتبة الألف وأثبتها مكانه وقرنها باسم ذاته وصفاته، وجعلها معدن إشاراته ومنبع كراماته مع بريته.
Página desconocida
كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الباء بره بأوليائه، والسين سره مع أصفيائه، والميم منته على أهل ولائه، وأخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن عيسى ابن مريم عليه السلام أرسلته أمه إلى الكتاب يتعلم فقال له المعلم: قل: { بسم الله } ، فقال عيسى: وما { بسم الله } فقال: ما أدري! فقال: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم منته ".
وأخبرنا الثعلبي ثنا أبو القاسم بن حسين بن محمد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الوراق يقول في { بسم الله }: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة:
* الباء على ستة أوجه:
" بارئ " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
والله على كل شيء قدير
[البقرة: 284].
" بصير " ، " باسط " رزق خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
ويبقى وجه ربك
[الرحمن: 27].
Página desconocida
" باعث " الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، من العرش إلى الثرى، بيانه:
وأن الله يبعث من في القبور
[الحج: 7].
" بار " بالمؤمنين من العرش إلى الثرى بيانه:
إنه هو البر الرحيم
[الطور: 28].
* والسين على خمسة أوجه:
" سميع " لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى
[الزخرف: 80].
Página desconocida
" سيد " قد انتهى سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه:
الله الصمد
[الإخلاص: 2].
" سريع " الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
والله سريع الحساب
[البقرة: 202].
" سلام " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
السلام المؤمن
[الحشر: 23].
" ستار " ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه:
Página desconocida
غافر الذنب وقابل التوب
[غافر: 3].
* والميم على اثنى عشر وجها:
" ملك " الحق من العرش إلى الثرى، بيانه:
الملك القدوس
[الحشر: 23].
" مالك " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
قل اللهم مالك الملك
[آل عمران: 26].
" منان " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
Página desconocida