Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الكهف: 22] يعني: نحن نعلم قليلا من أمتك أحوالهم كرامة لك، وإن لم نعلمكم بالتمام تأديبا لك، فلا تخبر أنت بما أخبرناك عن أحوالهم { ولا تستفت فيهم منهم أحدا * ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله } [الكهف: 22-24] غيرنا لنخبرك تصرفا بالاستقلال عن أحوالهم { واذكر ربك إذا نسيت } [الكهف: 24] أي: واذكر بقولك إن شاء الله إذا نسيت وجودك، وإن لك تصرفا بالاستقلال { وقل عسى أن يهدين ربي } [الكهف: 24] إذ لم يهدني إلى أحوالهم بالشرح يهديني بهذا التأديب { لأقرب من هذا رشدا } [الكهف: 24] أي: إلى طريق أقرب إليه وأرشد من هذا.
ثم أخبر عن لبثهم في الكهف فقال: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما لبثوا } [الكهف: 25-26] يعني: لو لم يخبر الله عن لبثهم ومدة إقامتهم في الكهف ما كان أحد أن يعلم بمدة لبثهم ولا هم بها علم كما
قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم
[الكهف: 19] لجهلهم بحال أنفسهم { له غيب السموت } [الكهف: 26] أي: ما غاب عن أهل السماوات { والأرض } [الكهف: 26] أي ما غاب عن أهل الأرض { أبصر به وأسمع } [الكهف: 26] أي: هو البصير بكل موجود وهو السميع بكل مسموع، فيه أبصر من أبصر، وبه سمع من سمع { ما لهم من دونه } [الكهف: 26] أحدا أي: من دون الله { من ولي } [الكهف: 26] يخبرهم عن غيب السماوات والأرض { ولا يشرك في حكمه } [الكهف: 26] من الأزل إلى الأبد { أحدا } [الكهف: 26] لعزته.
ثم أخبر عن إيجابه تلاوة كتابه بقوله تعالى { واتل } [الكهف: 27] على نفسك { مآ أوحي إليك من كتاب ربك } [الكهف: 27] أي: عن من كتاب كتبه ربك في الأزل { لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا } [الكهف: 27] إلى الأبد وهو قوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } [الكهف: 28] وهم القلب والسر والروح والخفي يعني: هم المجبولون على طاعة الله وطلبه وشوقه ومحبته، كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى، وطلب الدنيا ومحبتها { واصبر نفسك } [الكهف: 28] معهم في طاعة الله وطلبه وترك هواها والركون إلى الدنيا وما فيها؛ لتتصف بصفاتهم وهي العبودية على المحبة { بالغداة } [الكهف: 28] أي: غداة الأزل { والعشي } [الكهف: 28] أي: عشي الأبد { يريدون وجهه } [الكهف: 28] أي: يطلبون الوصول إلى ذاته تبارك وتعالى ويقصدون الاتصاف بصفاته.
{ ولا تعد عيناك } [الكهف: 28] أي: عينا همتك { عنهم } [الكهف: 28] أي: عن القلب والسر والروح والخفي؛ ليكونوا متوجهين إلى الله تعالى متوحدين في طلبه، فإنك لم تراقب أحوالهم تتصرف فيهم النفس الأمارة بالسوء وتغيرهم عن صفاتهم، فإن الرضاع يغير الطباع، وإن طبع النفس أن { تريد زينة الحياة الدنيا } [الكهف: 28] فيريدونها وبها ينزلون عن أعلى عليين إلى أسفل سافلين { ولا تطع من أغفلنا قلبه } في الفطرة الأولى { عن ذكرنا واتبع هواه } [الكهف: 28] يعني: النفس { وكان أمره } [الكهف: 28] في متابعة الهوى { فرطا } [الكهف: 28] أي: هلاكا وخسرانا.
[18.29-31]
{ وقل الحق من ربكم } [الكهف: 29] في التبشير والإنذار وبيان السلوك لمسالك أرباب السعادة والاحتراز عن مهالك أصحاب الشقاوة.
{ فمن شآء فليؤمن } [الكهف: 29] من قلوب أهل السعادة { ومن شآء فليكفر } [الكهف: 29] من نفوس أهل الشقاوة. وأيضا، ومن شاء فليؤمن من نفوس أهل السعادة، ومن شاء فليكفر من قلوب أهل الشقاوة { إنا أعتدنا } [الكهف: 29] في الأزل { للظالمين } [الكهف: 29] وهم الكافرون بما وجب الإيمان به المؤمنون بما وجب الكفر به { نارا } [الكهف: 29] وهي نار القهر والغضب { أحاط بهم سرادقها } [الكهف: 29] وهي سرادق العزة { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه } [الكهف: 29] أي: وجوه الأرواح الناضرة المستعدة للنظر إلى ربها؛ أي: يفسد استعدادها للنظر { بئس الشراب } [الكهف: 29] شراب اليأس والقطيعة { وسآءت مرتفقا } [الكهف: 29] مرتفق البعد والطرد.
ثم أخبر عن إحسان أهل الإيمان بقوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } [الكهف: 30] يشير إلى أن لأهل الإيمان والأعمال الصالحات جزاء يناسب صلاحية أعمالهم وحسنها، فمنها أعمال تصلح للسير إلى الجنان وغرفها وهي الطاعات القلبية من الصدق في طلب الحق والإخلاص في التوجه له بترك الدنيا، والإعراض عما سوى الله، والإقبال على الله بالكلية، والتمسك بذيل إرادة شيخ كامل فاضل مكمل، ليسلكه على طريق المبالغة ظاهرا وباطنا، فلا نضيع أجر عمله إن أحسنه وهو إذ يعبد الله على مشاهدته أو لشهوده { أولئك لهم } [الكهف: 31] أي: جزاءهم وأجرهم { جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرآئك نعم الثواب } [الكهف: 31] للنفوس درجات الجنان ونعيمها { وحسنت مرتفقا } [الكهف: 31] للقلوب أعلى مقامات القرب.
Página desconocida