ولكن لم يتم وصل البحرين رأسا بدون توسط النيل إلا في عهد إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، وذلك بهمة الموسيو ده لسبس - المهندس الفرنساوي الشهير - فإنه نال الإذن بفتحها من سعيد باشا سنة 1856م، وألف شركة مساهمة، فدبر ما تحتاج إليه من المال، وأنشأها على رغم ما اعترضه من الموانع السياسية والإدارية القوية، وقد بلغت نفقات حفرها وتوسيعها 24 مليون جنيه، واحتفل بافتتاحها في 17 نوفمبر سنة 1869م/12 شعبان سنة 1286ه احتفالا بلغ منتهى الأبهة، وقد حضره بعض ملوك أوروبا ونواب جميع الدول.
شكل 1-2: اللفتننت توماس واغورن، فاتح طريق النيل والصحراء من الإسكندرية إلى السويس.
وهذه الترعة من أعظم الأعمال التي باشرها الإنسان منذ قام العالم؛ لأنها ربطت الشرق بالغرب، وسهلت التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا أعظم تسهيل.
هذا، وقبيل فتح هذه الترعة كان المسافرون إلى الهند من الإسكندرية يركبون ترعة المحمودية بالمراكب، تجرها الرفاصات إلى العطف 44 ميلا، ثم يركبون النيل فرع رشيد بالبواخر إلى القاهرة 120 ميلا، ومن هناك يركبون مركبات الأمنيبوس، تجرها الخيل في الصحراء إلى السويس 84 ميلا، وقد قصرت هذه الطريق طريق الهند أسابيع، وكان الفضل في إنشائها إلى «اللفتننت توماس واغورن» من ضباط البحرية الإنكليز، توفي في يناير سنة 1850 عن 49 عاما، ولم يكافأ على عمله هذا إلا بعد وفاته، فقد نصب له قومه تمثالا في بلدته شاتام، من أعمال كنت بإنكلترا سنة 1888، وكانت شركة «القنال» قد نصبت له تمثالا نصفيا عند مدخل القنال في بورت توفيق بالسويس، كما نصبت للمسيو ده لسبس تمثالا كاملا عند مدخل القنال في بورسعيد.
هذا، وقد كان لمرور تجارة الهند وبريدها بمصر نفع عظيم لمصر وسوريا معا، ففتح هذه الترعة سد النفع في وجههما، وحولها إلى أوروبا، وكان الإنكليز أكبر المستفيدين من فتحها، مع أنهم كانوا أكبر المعارضين لها في أول الأمر؛ لأن سياستهم كانت تقضي ببقاء طريق الهند على رأس الرجاء، ففي سنة 1911 مر بالترعة 4969 باخرة، تحمل 18824794 طنا، فكان 3089 باخرة منها للإنكليز، والباقي لسائر الدول، وكانت الحكومة الإنكليزية قد اشترت أسهم خديوي مصر في 25 نوفمبر سنة 1875، في وزارة اللورد بيكو نسفيلد بأربعة ملايين جنيه، فبلغت قيمتها في 31 مارس سنة 1911 سبعة وثلاثين مليونا ونصف مليون جنيه، وكانت أرباح هذه الأسهم في العام المنصرم (1913) 1316685 جنيها.
هذا، وفي الاتفاق الدولي الذي أمضي في 29 أكتوبر سنة 1888، تقرر أن يكون حق المرور بالترعة شائعا لجميع الدول، فتمخر فيها بواخرها المسلحة وغير المسلحة، في زمن الحرب أو في زمن السلم.
ويديرها الآن مجلس عام مؤلف من 32 عضوا من جميع الدول المساهمة فيها، وفيهم عشرة من الإنكليز، بينهم ثلاثة ينوبون عن الحكومة الإنكليزية.
ومدة امتياز الترعة 99 عاما من تاريخ افتتاحها، وشروط الحكومة المصرية مع الشركة، تقضي بخروج الأسهم كلها من أيدي المساهمين، ودخولها في حوزة مصر عند انتهاء هذه المدة؛ أي سنة 1968، وجميع أسهم الترعة الآن للأجانب، فليس للحكومة المصرية أو للمصريين سهم واحد منها، ففي سنة 1909 اقترحت الشركة على الحكومة المصرية أن تطيل الامتياز أربعين سنة، فتدفع لها الشركة أربعة ملايين جنيه مع نصيب قليل من الأرباح، وقد قصدت الشركة بذلك رفع أسهمها، وإطالة أمد أرباحها بإشراك مصر في شيء من الأرباح، فعرضت الحكومة الاقتراح على الجمعية العمومية، وقيدت نفسها بقبول رأي الجمعية كيف كان، فرفضت الجمعية الاقتراح بأغلبية عظيمة، بحجة أنه مجحف بحقوق مصر، قالوا: يكفي الذي خسرته تجارة مصر بفتح هذه الترعة، وأنه ليس لمصر الآن سهم واحد من أسهمها، فلا نطيل أجل خسارتنا بيدنا أربعين سنة أخرى، قالوا ذلك وهم آملون دخول الترعة في حوزة مصر عند انتهاء مدة الامتياز.
ولكن الذين دافعوا عن الاقتراح، قالوا: إن مصر لو قبلته أفادت الشركة بإطالة مدة امتيازها، واستفادت هي مورد مال جديد، ليس لها غير هذا السبيل إلى وروده؛ لأن ترعة كترعة السويس تربط الشرق بالغرب، وتشترك فيها مصالح الدول كلها، لا تترك لرحمة مصر والمصريين يتحكمون فيها كما يشاءون، وقد كان رسم المرور بالترعة أولا عشرة فرنكات على الطن الواحد، فخفض تدريجا حتى بلغ الآن ستة فرنكات وخمسة وسبعين سنتيما، وقد وعد الموسيو ده لسبس سنة 1883 بأن يكون الحد الأدنى لرسم المرور خمسة فرنكات، فلا بد من خفضه إلى هذا الحد الموعود به «خصوصا بعد فتح ترعة بناما»، بل ربما خفض إلى أدنى من هذا الحد، حتى إذا ما انتهت مدة امتياز الترعة جعلوها حرة، ولم يسمحوا بأخذ رسم مرور بها إلا بقدر ما يكفي للمحافظة عليها، فإذا صح هذا القول ولم يكن لمصر إذ ذاك ما للشركة الآن من القوة لتمشية الرسم الذي توجبه، كان رفض الاقتراح موجبا للأسف الشديد. (4) خليج السويس وموانيه
أما خليج السويس الذي يحد سيناء الجنوبية من الغرب، فطوله من السويس إلى رأس محمد نحو 150 ميلا، وعرضه من عشرة أميال إلى ثمانية عشر ميلا، وأشهر موانيه على شاطئ سيناء مبتدئا من الشمال:
Página desconocida