واستولى المسلمون على ساحل إسپانية مبتدئين بجبل طارق الذي اقتبس اسمه من اسم طارق بن زياد البربري الذي هو من رجال القائد العربي موسى بن نصير.
وكان العرب قد قضوا خمسين سنة في فتح إفريقية البربرية، ولم يقضوا سوى بضعة أشهر في فتح جميع إسپانية النصرانية، وتقرر مصير مملكة القوط في المعركة الأولى المهمة التي خاض المسلمون غمارها، والتي كان رئيس أساقفة أشبيلية حليفا لهم فيها، والتي خسر القوط فيها ملكهم وخسروا إسپانية.
وعجب موسى بن نصير من ذلك النصر السريع الذي لم يتوقعه، ولا غرو، فقد كان يتصور ما لاقاه من الشدائد في فتح إفريقية، وكان يعتقد أنه سيلقى في أوربة من الشجاعة وحب الاستقلال ما لقيه في البربر، فلما تبين له خطؤه أراد أن يشارك طارق بن زياد في مجد الفتح؛ فعبر البحر بجيش مؤلف من اثني عشر ألف جندي عربي وثمانية آلاف جندي بربري ؛ ليواصل فتح إسپانية.
أتم العرب فتح إسپانية بسرعة مدهشة، وذلك أن المدن الكبيرة سارعت إلى فتح أبوابها للغزاة، فدخل الغزاة قرطبة ومالقة وغرناطة وطليطلة صلحا تقريبا، ووجد العرب في طليطلة التي كانت عاصمة النصارى تيجان خمسة وعشرين ملكا قوطيا، وأسروا أرملة للملك القوطي، رودريك، التي تزوجها ابن القائد موسى بن نصير فيما بعد.
شكل 6-2: داخل جامع قرطبة.
وأحسن العرب سياسة سكان إسپانية كما أحسنوا سياسة أهل سورية ومصر، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم وحق المقاضاة إلى قضاة منهم، ولم يفرضوا سوى جزية سنوية تبلغ دينارا (15 فرنكا) عن كل شريف ونصف دينار عن كل مملوك، فرضي سكان إسپانية بذلك طائعين، وخضعوا للعرب من غير مقاومة، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأريستوقراطية المالكة للأرضين.
ولم يدم القتال طويلا، وذلك أن العرب كسروا كل مقاومة، ودانت لهم جميع إسپانية في سنتين، ولكن لا إلى الأبد، فقد استرد النصارى ما خسروه بعد جهاد ثمانية قرون.
ويروى، مع التوكيد، أن موسى بن نصير فكر، بعد فتح إسپانية، في العودة إلى سورية من بلاد الغول وألمانية، وفي الاستيلاء على القسطنطينية، وفي إخضاع العالم القديم لأحكام القرآن، وأنه لم يعقه عن ذلك العمل العظيم سوى أمر الخليفة إياه بأن يعود إلى دمشق، فلو وفق موسى بن نصير لذلك؛ لجعل أوربة مسلمة، ولحقق للأمم المتمدنة وحدتها الدينية، ولأنقذ أوربة، على ما يحتمل، من دور القرون الوسطى الذي لم تعرفه إسپانية بفضل العرب.
ولنتكلم، أولا، عن امتزاج أهل البلاد بسادتهم الجدد قبل أن نقص عليك ماذا تم للعرب في إسپانية: كان أوائل الغزاة لإسپانية من العرب والبربر، وكان يوجد بضع قبائل سورية في الجيوش التي استولت عليها بعدئذ، ولم يكن عدد ما اشتملت عليه هذه القبائل كثيرا، ولم يظهر أمرها إلا في دور الفتح الأول، فماذا كان شأن العرب والبربر وأهل إسپانية بعد ما دانت إسپانية للعرب؟
يرى المحقق البصير في تاريخ المسلمين بإسپانية أن الإمامة الثقافية ورسالة التمدن كان يقوم بهما العرب، وأن البربر اختلطوا بطبقات الأهلين الوسطى والدنيا، وأن العرب حافظوا على شرفهم الثقافي حتى بعد أن قبض البربر على زمام الحكم.
Página desconocida