وليس لدينا من الوثائق ما نتمكن به من تقدير نسبة العرب والبربر في مئات السنين الثماني التي دام فيها سلطان الإسلام بإسپانية، ولكن سير الأمور يدل على أن العنصر البربري أخذ يزيد بعد انفصال إسپانية عن خلافة المشرق، ولا سيما بعد توالي غارات بربر مراكش التي كانوا يشنونها عليها.
والحق أن العرب، بعد ذلك الانفصال، كانوا يعتمدون في بقائهم في إسپانية على تناسلهم، وأن البربر كانوا يزيدون فيها بمن يعبر جبل طارق من إخوانهم المراكشيين طلبا للثراء.
ويظهر أن التوالد لم يقتصر على العرب والبربر وحدهم، بل توالد العرب والبربر وسكان إسپانية الأصليون أيضا، فكان العرب يتزوجون النصرانيات على الخصوص، فيمدون بذلك دوائر حريمهم ويديمون بذلك نسلهم.
شكل 6-3: محراب جامع قرطبة (من تصوير مورفي).
وروى مؤرخو العرب أن العرب تزوجوا في بدء الفتح ثلاثين ألف نصرانية، ولا يزال يرى في قصر أشبيلية ردهة تدعى ردهة الصبايا اللائي كان النصارى يلزمون بتقديم مائة منهن إلى أحد ملوك العرب في كل سنة كجزية، فنحن إذا ما رأينا أن هؤلاء النصرانيات كن من مختلف الأجناس، وأنه كان يجري في عروقهن الدم الإيبري واللاتيني واليوناني والقوطي ... وغير ذلك، علمنا أنه نشأ عن توالد النصارى والبربر والعرب، الذي دام في بيئة واحدة قرونا كثيرة، عرق جديد مختلف عن العروق التي فتحت إسپانية اختلافا بينا، وأن العناصر الكثيرة التي أدى تمازجها إلى ظهور ذلك العرق كانت في أحوال تؤدي إلى تكوينه تكوينا مطابقا لما ذكرناه في فصل سابق عن فعل البيئة والتوالد.
ولا أبحث هنا في تاريخ ملوك العرب أو البربر الذين ملكوا إسپانية ثمانمائة سنة، وإنما أوجز أهم الحوادث السياسية التي وقعت في تلك المدة الطويلة إيجازا يكفي لفهم هذا الفصل: كانت إسپانية، التي تم فتحها في سنة 711م، تابعة لخلفاء دمشق حتى سنة 756م، وكان ينوب عن هؤلاء الخلفاء أمراء في شؤون حكمها، فلما كانت سنة 756م انفصلت إسپانية عن خلافة المشرق، وقامت فيها دولة مستقلة عرفت في التاريخ بخلافة قرطبة التي أصبحت عاصمة لها.
شكل 6-4: رسم جامع قرطبة (كما جاء في كتب العرب القديمة).
وأخذ نجم العرب السياسي في إسپانية يأفل بعد أن مضى على سلطانهم ثلاثة قرون بلغت الحضارة العربية فيها ذروتها، وشرع النصارى الذين دحرهم العرب إلى الشمال يستفيدون مما كان يقع بين المسلمين من الفساد والفتن، وصاروا يغيرون عليهم.
واستغاث عرب إسپانية ببربر مراكش في سنة 1085م، ليحولوا دون توالي انتصارات ملك قشتالة وليون: الأذفونش السادس، ولم يلبث هؤلاء البربر الذين جاءوا إلى إسپانية حلفاء للعرب أن ظهروا لهم بمظهر السيد، وأسفر تنازع العرب والبربر عن انقسام دولة العرب إلى عشرين دويلة، وعن قبض المرابطين والموحدين وغيرهم من البربر على زمام الأمور، وعن تكمش العرب إزاء البربر، وعن تدرج الحضارة العربية إلى الانزواء.
واهتبل النصارى تلك الفرص، فوسعوا دائرتهم على حساب المسلمين، وأقاموا دويلات كثيرة كبلنسية وقشتالة ومرسية وغيرها مما انتهى إلى أربع دول، وهي: البرتغال ونبرة وأرغونة وقشتالة.
Página desconocida