1264

وملك الأمر بعده ولده السلطان ملك شاه ابن السلطان ألب رسلان، واجتمع الجند عليه وأجلسوه على سرير الملك، وورد الخبر إلى القائم بأمر الله بقتل السلطان وتولية ولده بعده فخطب للسلطان ملك شاه وبعث إليه عهد السلطنة وخلعها، وكان بين السلطان ملك شاه وعمه قارون مفاوتة وحروب عظيمة، ثم ظفر السلطان ملك شاه بعمه قارون فحبسه ثم أمر بقتله، وكتب السلطان ملك شاه إلى أخيه تاج الدولة تنش وهو مقيم ببلاد خنزوة وبردعة يأمره بالمسير إلى حلب من بلاد الشام وفتحها، وذلك أن دمشق كان قد استولى عليها وعلى حمص وحماة أنشر، وسار أنشر في هذه المدة قاصدا القاهرة مصر في سنة تسع وستين في جمع كثير من العرب والتركمان وأجناد الشام، خاف صاحب مصر منه خوفا عظيما، فاتفق أنه أمده من السودان تسعمائة فارس، فاشتد ظهره وقاتلوا أنشر وهزموه أقبح هزيمة، فرجع على طريق الرملة وقتل خلقا من المسلمين وهجم البيت المقدس علوه وقتل فيه ثلاثة آلاف إنسان من المسلمين، وقتل القاضي والشهود صبرا بين يديه، ثم عاد إلى دمشق وكان قد أراد السلطان ملك شاه إرسال أخيه تاج الدولة لأخذ حلب في غيبة أنشر إلى جهات مصر، فلما وصل تاج الدولة ديار بكر إلا وقد عاد أنشر إلى دمشق وبلغه خبر تاج الدولة فكتب إلى السلطان ملك شاه يقول له أنا العبد المطيع الخادم في هذه البلاد، وما فعلت فعلا يقتضي إنفاذ الأمير تاج الدولة تنش نحوي، وأنا أحمل في كل سنة ألف ألف دينار إلى الخزانة، فرضي السلطان بذلك وكتب إلى أخيه تاج الدولة تنش يأمره بقصد حلب فقط ولا يتعرض للشام الأعلى وهو حماة ودمشق وأعمالها وهي البلاد التي بيد أنشر، فتوجه تاج الدولة إلى حلب، وكان بها الأمير سابق بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، وكان ملكها في سنة تسع وستين وأربعمائة بعد قتل أخيه نصر بن محمود، فلما يتهيأ لتاج الدولة أخذها وانكفى راجعا إلى حران، ثم إلى ديار بكر، ثم إلى دمشق، والسبب في ذلك أن بدر الجمالي الملقب بأمير الجيوش جهز من مصر العساكر لحصار دمشق وبها أنشر فحصروه فبعث أنشر رسلان إلى تاج الدولة يستنجد به فقصد دمشق، فلما قرب منها رحل عنها أجناد مصر، ووصل تاج الدولة إليها فخرج أنشر إليه فقبض عليه وقتله واستولى على دمشق وملكها.

وأما حلب فإن شرف الدولة أبا المكارم مسلم بن قريش أمير بني عقيل وكانت بلاد الموصل والرحبة، ونصيبين، وسنجار في يده فأشار عليه أهل هذه البلاد بقصد حلب، فكتب إلى السلطان ملك شاه أن يوليه حلب وأعمالها بثلاثمائة ألف دينار في كل سنة، ففعل ذلك وسار إليها وأخذها من بني مرداس، وعظم ملكه لأنه صار له (الموصل)، و(نصيبين)، و(سنجار)، و(قلعة جعبر)، و(الرها)، و(سميساط)، و(حلب)، ثم سار إلى (انطاكية) يريد متحررا وبها الأمير سليمان بن قليمش فلقيه سليمان فاقتتلوا فانهزم شرف الدولة أقبح هزيمة، ثم قتل في سنة ثماني وسبعين وأربعمائة.

وكانت أنطاكية والرها لصاحب الروم المعروف بالفردوس فظلم رعيته فسلم انطاكية إلى سلمان بن قليمش التركماني، وسلموا الرها إلى شرف الدولة مسلم بن قريش، وبعث سليمان بن قليمش رسله لأخذ حلب فغلقت عنه أبوابها، وخرج تاج الدولة تنش من دمشق إلى حلب لحصاره لما بلغه ذلك، وجاءه أريق التركماني وكان قد غلب على حلوان والجبل، فملكه مناصرا له واتفقا على حرب سليمان فاقتتلوا على باب حلب وجرت بينهم حروب كثيرة انهزم سليمان في آخرها، وقتل سليمان نفسه، وقتل من أصحابه خلق كثير، ثم انفرجت الحال بين السلطان ملك شاه وأخيه تاج الدولة، وسار تاج الدولة إلى خراسان فافتتح مرو الشاهجان مكرا، وأفسد في تلك البلاد، وسفكوا الدماء، وشربوا الخمور في الجامع في شهر رمضان، وفعلوا ما لا يفعله الكفار فسار إليه السلطان ملك شاه فقاتله حتى أخذه وقيده واعتقله في بعض القلاع.

Página 157