فكان الإغراء بالتطبيق قويا بعد قراءة الآراء والقواعد والملاحظات، ثم قراءة الفلسفة التي يكتبها بقلمه كاتب عربي في طليعة المؤلفين التمثيليين، وإن لم تكن رواياته المفرغة في القالب المسرحي مما يمثل على المسارح في جميع الأحيان.
من العودة إلى التسلية
وفي وسع القارئ أن يتصور «برج بابل» على الطراز الحديث إذا استمع إلى الآراء المضطربة المتناقضة، التي جمعت في هذين الكتابين.
فمن هذه الآراء أن الدراما، كما قال لويس قبل ثمانين سنة، تتحول من المراسم الدينية إلى العبارة الفنية إلى التسلية وتزجية الفراغ، وأنها لا تنقذ نفسها من هذه الحطة التي تنحدر إليها إلا إذا تخصصت لفكرة تدعو إليها، أو لحالة اجتماعية تعرضها معرض النقد والتصوير.
ومن هذه الآراء أن الصور المتحركة قد أبطلت الدرامة الواقعية كما بطل تصوير الملامح والأشباه بعد ظهور الصور الشمسية، فلا حاجة اليوم إلى «المذهب الواقعي» أو المذهب الطبيعي على المسرح؛ لأنهما مذهبان متوافران على اللوحة الفضية بغير مجهود.
ومن رأي «بنتلي» أن الدراما العصرية مصابة بالجفاف واليبوسة، وأنها إذا قرئت بعد شكسبير وشعراء اليونان كانت أشبه «بالسناريو» الذي ينتظر الملء والحشو خلال التمثيل.
وإذا كانت الفكرة هي التي تنقذ الدرامة من حطة اللعب الماجن والتسلية الرخيصة، فكيف يعالجها المفكر على أسلوبه الفني دون أن يخرج على أصول الفن أو وظيفة الفنان؟
يريد ماسون من المؤلف أن يختفي عن النظر وعن الفكر أثناء عرض الرواية، ويعيب على سارتر أنه يفتأ يشد الخيوط ويتدخل بين الشخوص كما يفعل صاحبه جويبتير في التطفل على الواقع لتنفيذ مقاديره وإرسال بروقه ورعوده.
ويرد عليه بنتلي قائلا إنه لم يلاحظ هذا التطفل والاقتحام على مسرحيات سارتر، وإنه - لحسن الحظ - قرأها قبل أن يطلع على فلسفة سارتر، فبدا له أن القارئ يستطيع أن يتلقى أفكارها بداهة وإن لم يسمع من قبل باسم كيرجارد وهيدجار.
ونعود إلى سارتر فنسمع منه العجب في نقد الفكرة الروائية؛ لأنه - وهو الفيلسوف الوجودي الملحد - يكتب عن الكاتب الكاثوليكي مورياك فيقول: «إن الكتاب المتدينين أصحاب «عقلية» صالحة لكتابة الرواية؛ لأن المتدين حر، ولعله يغيظنا بيقينه؛ لأنه شيء مكتسب، ولكنه إذا كان كاتبا روائيا فهذه الصفة فيه مزية.»
Unknown page