Sinima Wa Falsafa
السينما والفلسفة: ماذا تقدم إحداهما للأخرى
Genres
لا يهتم واتانابي بمعنى الحياة (فلا تشغله أسئلة مثل «ما سبب وجود الحياة؟» أو حتى «لماذا أنا على قيد الحياة؟»)، بل يهمه إيجاد معنى لحياته، أو «إيجاد سبيل لجعل حياته هادفة». وجهته تويو نحو الوجهة الصحيحة عندما عرضت عليه الأرانب اللعبة التي كانت تساعد في صنعه بالمصنع الذي تعمل به (الدقيقة 29 من الساعة الثانية)، وقد احتفظ بواحد منها. كانت اللعبة رغم بساطتها تشعر الآخرين بالسعادة. تلك لحظة فارقة في الفيلم؛ فقد أدرك واتانابي فجأة، بينما كان يهدهد الأرنب اللعبة (في مشهد جميل يصور واتانابي بمعطفه الطويل وقبعته) أن سعادته الشخصية ترتبط، أو قد ترتبط، ارتباطا وثيقا، بحياة الآخرين وسعادتهم. فإذا استطاع صنع فارق إيجابي في حياة الآخرين، فسوف ينجح كذلك في عيش حياة تحمل قدرا من المعنى والهدف، مهما كان إنجازه أو إسهامه مؤقتا أو زائلا على المدى الطويل.
تتفق سوزان وولف (2007: 72) مع واتانابي في هذا، فتقول: «إن عيش حياة ذات معنى هي مسألة تقتضي اندماجا ناجحا جزئيا على الأقل في مشروعات ذات قيمة إيجابية.» وحياة كهذه ستتضمن الآخرين وستؤثر في جميع الأحوال تقريبا على حياتهم تأثيرا إيجابيا. وحتى إن لم يكن للحياة ذاتها معنى أو كانت نتاج صدفة بحتة على سبيل المثال، فلن يقوض هذا فكرة الحياة الهادفة كما تراها وولف. تزعم وولف (2007: 69): «أن عيش حياة مفعمة بالمشاركة في مشروعات تستمد قيمتها من مصدر غير ذاتي أو على الأقل تركز جزئيا على تلك المشروعات هي سبيل يساعد المرء على إدراك أن وضعه غير مميز. وتتناغم، على نحو تعجز عن تحقيقه حياة تتمركز كليا حول الذات، مع حقيقة أننا لسنا مركز الكون.»
وتشير وولف (2007: 67) إلى أن الحياة الهادفة لا يشترط كونها حياة أخلاقية من نوع ما، أو حياة أخلاقية من الأساس. وتزعم أيضا أنه «لا يوجد ما يضمن أن تكون الحياة الهادفة حياة سعيدة.»
4
فمن الواضح أن الحياة الهادفة لا يشترط كونها سعيدة بما أن كثيرا من المندمجين بنجاح في مشروعات ذات قيمة إيجابية والمؤمنين بأن ما يقومون به ذو قيمة، يظلون رغم ذلك غير سعداء (إجمالا). هل كان الارتباط بين سعادة واتانابي في نهاية الفيلم وبين عثوره على معنى ارتباطا وليد الصدفة، أم كانت سعادته مرتبطة على نحو ما ارتباطا جوهريا بالمعنى الذي تمكن من استخلاصه قبل فوات الأوان؟ هل تكون القاعدة العامة أن أولئك الذين يعيشون حياة هادفة فرصتهم أفصل في حيازة قدر أكبر من السعادة؟
يزعم أرسطو وجود صلة جوهرية بين عيش حياة هادفة وبين سعادة البشر. ويرى أن تلك الحياة تقوم على الفضيلة (انظر الفصل الرابع عشر لمناقشة أكثر تفصيلا حول هذا الموضوع). إنها حياة يسعى فيها المرء فعليا خلف ما يصب في مصلحته العليا، وبموجب تلك الحقيقة فإنها حياة يصير فيها المرء كما ينبغي له أن يصير حسب طبيعته البشرية. يعتنق أرسطو ما قد يطلق عليه تصورا جوهريا للسعادة. يقول تايلور (1975: 132) إن ذلك التصور «يفترض مقدما وجود ما يسمى بالطبيعة البشرية الجوهرية.» عندما توضع أهداف يشترط أن يحققها الفرد بوصفه فردا، فذلك يشير إلى وجود تصور جوهري للطبيعة البشرية. ما هي الطبيعة الجوهرية؟ هل تعتمد السعادة عليها؟ حسب المفهوم الجوهري للسعادة، الذي يفترض مسبقا وجود طبيعة بشرية جوهرية، تتوقف «السعادة» بوجه عام على مدى التزام المرء بطبيعته. يقول تايلور «1975: 132-133»:
حسب المفهوم الجوهري للسعادة، الحياة السعيدة حقا هي «الحياة التي في صالح الإنسان» ... والسعادة (اليوديمونيا؛ أي الرفاهة أو الهناء) هي نوع الحياة المناسب أو الملائم «للإنسان»، و«الإنسان» الفرد هو تجسيد الطبيعة الجوهرية للبشر (أو جوهر البشر)؛ ومن ثم لا يمكن ربط السعادة بأي نوع من الحياة قد يرغب المرء في عيشه. بل هي سمة لنوع الحياة الذي كنا سنرغب جميعا في عيشه إذا فهمنا طبيعتنا الحقة كبشر. السعادة إذن يمكن تعريفها بأنها حالة «الروح» أو وضع حياتي يستهدفه البشر جميعهم، «بقدر كونهم بشرا»، في النهاية.
بقدر ما يستطيع الإنسان بلوغ «السعادة» عبر تفعيل الخصائص التي «تحدد صالح الإنسان بوصفه إنسانا» أي عبر تجسيد الطبيعة الجوهرية للبشر، بقدر ما سيعيش حياة طيبة أو ذات قيمة جوهرية.
و«السعادة» إذن هي معيار الحكم على القيمة الجوهرية لحياة الفرد. (سوف نناقش مفهوم القيمة الجوهرية فيما يلي.) يوضح تايلور هذه النقطة قائلا (1975: 133):
عندما يستخدم هذا التصور للسعادة كمعيار للقيمة الجوهرية، يتوحد هذا المعيار مع معيار الكمال الإنساني أو الفضيلة الإنسانية الذي يطرحه معتنقو الرؤية الجوهرية. ما يحدد الصلاح الجوهري لحياة الفرد هو تحقيقه لنموذج مثالي؛ عبر عيش حياة إنسانية حقا، يحقق للفرد ما في صالح الإنسان بوصفه إنسانا. لا يستطيع الجميع الالتزام بهذا المعيار بالدرجة نفسها، لكن بقدر ما يستطيع المرء فعل ذلك، تكتسب حياته جدارة، واكتمالا يضفي عليها قيمة في ذاتها بمعزل عن أي آثار قد تحدثها في حياة الآخرين.
Unknown page