Shicr Wa Fikr
شعر وفكر: دراسات في الأدب والفلسفة
Genres
ولم الشعراء في الزمن الضنين؟
إنهم - كما تقول - مثل كهنة رب الخمر المقدسين،
الذين سروا في الليل المقدس
من بلد إلى بلد ...
الشعراء إذن هم الذين يكشفون عن حقيقة الوجود؛ لأنهم وحدهم الذين يؤسسون ما هو باق. والباقي هو الوجود نفسه الذي يتجلى في نوره كل موجود. كيف يفعلون هذا؟ عن طريق القول الحقيقي أو الجوهري الذي يسمى الآلهة والأشياء، وبهذه التسمية يوجدها ويؤسسها في الوجود ويضعها في نوره. تلك هي أمانة الشعراء وعهدهم حين يغنون وحين يقولون. هذا القول الجوهري هو الشعر. والشاعر ينطق بواسطته عن حقيقة الوجود. ولذلك فمعرفتنا لماهية الشعر هي معرفة لحقيقة الوجود؛ لأن اللغة في الأصل هي لغة الوجود نفسه، وهي ميدان تكشفه. ولن نعرف ماهية اللغة حتى نبدأ بماهية الشعر. ولهذا لا يصح أن نعد اللغة مجرد أداة للتواصل والتوصيل، بل علينا أن نلتمس حقيقتها عند الشعراء المفكرين الذين «شعروا» الوجود وفكروا فيه، وبذلوا لنا تجربته التي نقيم عليها وجودنا التاريخي في الزمان:
لقد خبر الإنسان أمورا كثيرة،
ووضع أسماء لعديد من السماويين
منذ أن كنا حوارا،
واستطاع بعضنا أن يسمع من البعض الآخر.
فاللغة حوار، ونحن البشر حوار، والحوار بدأ شعرا أي قولا جوهريا تجلى فيه الواحد الذي بفضله اتحدنا، وكنا أنفسنا حقا. ولهذا كانت اللغة هي أخطر النعم وأوفرها حظا من البراءة. كانت هي الشهادة على حقيقة وجودنا، وكانت هي مسكننا الشعري على الأرض:
Unknown page