في غضون بضعة آلاف من الأعوام، كان كل عالم من العوالم الإمبريالية إما قد ارتقى بنفسه أو سقط في الهمجية أو انتحر. (6) طوباوية المجرة
إن الأحداث التي كنت أصفها قد حدثت، أو من وجهة النظر البشرية سوف تحدث، في تاريخ في المستقبل البعيد للغاية بمقدار بعدنا عن تكثف النجوم الأولى. والفترة التالية من تاريخ المجرة تغطي الفترة من سقوط الإمبراطوريات المجنونة إلى تحقيق الطوباوية في مجتمع المجرة بأكمله. وقد كانت هذه الفترة الانتقالية هي نفسها طوباوية من بعض الجوانب؛ إذ كانت عصرا من التقدم الظافر الذي تحقق على يد كائنات تتسم بطبيعة ثرية ومتناغمة، وتلقت تربية مواتية تماما، وكان مجتمعها المجري الدائم الاتساع هدفا مرضيا تماما للولاء. لم تكن تلك الفترة طوباوية فقط من ناحية أن مجتمع المجرة كان لا يزال يتوسع ويغير تركيبه باستمرار ليفي باحتياجات جديدة؛ اقتصادية وروحانية؛ فقرابة انتهاء هذه المرحلة، حلت مرحلة من الطوباوية الكاملة توجه فيها انتباه المجتمع المجري المكتمل إلى ما خارج حدوده بصفة أساسية حيث المجرات الأخرى. وسوف أحكي عن هذا في الوقت المناسب، وكذلك عن الأحداث المضطربة غير المتوقعة والتي حطمت ذلك النعيم.
أما الآن، فيجب أن نلقي نظرة على عصر التوسع؛ فإذ أدركت عوالم المجرة الفرعية أن الجوانب الثقافية لم تكن لتتطور أكثر من ذلك ما لم يزدد عدد شعوب العوالم اليقظة زيادة كبيرة وتتنوع مشاربهم، فقد بدأت تقوم الآن بدور فاعل في عملية إعادة تنظيم القارة المجرية بأكملها. ومن خلال الاتصالات التخاطرية، نقلت لجميع العوالم اليقظة عبر المجرة المعرفة الخاصة بالمجتمع الظافر الذي أسسته بنفسها، وناشدت الجميع بالانضمام إليها في تأسيس الطوباوية في المجرة. لقد قالت: إن كلا من العوالم الموجودة في شتى أنحاء المجرة يجب أن يكون فردا على درجة فائقة من الوعي، ولا بد لكل منها أن يساهم بخصوصيته الفردية وثروة خبراته بأكملها في الخبرة المجمعة للجميع. وحين اكتمل هذا المجتمع في نهاية المطاف، قالت إنه يجب أن يستمر في القيام بوظيفته في المجتمع الأكبر الذي يضم جميع المجرات، والمشاركة في الأنشطة الروحانية التي لم تحدد بعد إلا على نحو مبهم.
في العصر المبكر للتأمل، تمكنت عوالم المجرة الفرعية، أو بالأحرى عقل المجرة الفرعية الواحد الذي يتيقظ على فترات متقطعة، من التوصل إلى اكتشافات كان لها انعكاسات محددة على تأسيس المجتمع المجري؛ إذ كانت قد حددت الآن رؤيتها بضرورة أن يزيد عدد العوالم العاقلة في المجرة عن عدده الحالي بمقدار عشرة آلاف ضعف على الأقل. ومن أجل تحقيق جميع إمكانات الروح، رأت بوجوب وجود تنوع عظيم من أنواع العوالم، وآلاف العوالم من كل نوع. وقد تعلمت في مجتمع مجرتها الفرعية الصغير ما يكفي لأن تدرك أنه لا يستطيع استكشاف جميع مناطق الوجود سوى مجتمع ضخم للغاية، والذي لمحت هي نفسها عددا قليلا للغاية من أعضائه، لكن من بعيد فقط.
كانت العوالم الطبيعية في القارة المجرية مرتبكة ومنزعجة من ضخامة هذه الخطة. لقد كانت راضية عن نطاق الحياة الموجود. وقد أكدت أن الروح لا تعنيها الضخامة ولا الكثرة. وقد كان الرد على هذا أنه اعتراض واه يأتي من عوالم يتوقف إنجازها على التنوع الرائع في أفرادها. لقد كان التنوع في العوالم وكثرتها ضروريا على مستوى المجرة بقدر ما كان تنوع الأفراد وكثرتهم ضروريا على مستوى العالم، وبقدر ما كان تنوع الخلايا العصبية وكثرتها مهما على مستوى الفرد. وكانت النتيجة أن العوالم الطبيعية في «القارة» قد قامت بدور متضائل في الحياة المتقدمة للمجرة. وقد ظل بعضها في مستوى إنجازها الخاص المستقل. وانضم بعضها إلى العمل التعاوني الضخم، لكن دون حماس أو نبوغ. قلة فقط هي التي انضمت إلى المشروع بحماس وقدمت نفعا، والحق أن أحدها تمكن من تقديم مساهمة عظيمة. كان هذا العالم من إحدى السلالات التكافلية، لكن من نوع مختلف للغاية عن ذلك الذي أسس مجتمع المجرة الفرعية. كان النظام التكافلي فيه يتألف من نوعين كانا يسكنان في الأصل كواكب مختلفة في النظام الكوكبي نفسه. كانت إحدى السلالات الطائرة الذكية لما دفعها اليأس بسبب جفاف كوكبها الأصلي قد خططت لغزو عالم مجاور يسكنه نوع شبيه بالبشر. وهنا لا ينبغي لي أن أذكر كيف أنه بعد عصور من التناوب بين الخصومة والتعاون، تأسس نظام تكافلي اقتصادي ونفسي مكتمل.
إن بناء المجتمع العالمي المجري هو أمر يتجاوز إلى حد بعيد قدرة كاتب هذا الكتاب على الفهم. لا يمكنني الآن أن أتذكر على الإطلاق بوضوح ما اختبرته من هذه الأمور الغامضة وأنا في تلك الحالة الفائقة من الصفاء، والتي اختبرتها من خلال المشاركة في العقل المشترك للمستكشفين. حتى وأنا في تلك الحالة، كنت في حالة ذهول من المجهود الكبير المبذول من جانبي لفهم أهداف ذلك المجتمع العالمي الشديد التماسك.
إذا كان من الممكن الوثوق بذاكرتي على الإطلاق، فقد كانت هناك ثلاثة أنشطة تشغل هذه العوالم العاقلة في هذه المرحلة من تاريخ المجرة. كانت المهمة العملية الأساسية هي إثراء حياة المجرة نفسها وإحداث تناغم فيها وزيادة عدد العوالم الكاملة اليقظة وتنوعها ووحدتها الذهنية إلى الدرجة التي كان يعتقد بضرورة وجودها لانبثاق نمط من الخبرات يتسم بيقظة أكبر من أي شيء قد تحقق حتى ذلك الوقت. أما النوع الثاني من الأنشطة فهو ما كان يبتغى به تحقيق اتصال أكبر مع المجرات الأخرى من خلال الدراسة الفيزيائية والتخاطرية. أما النوع الثالث فهو التمرين الروحاني الملائم لكائنات من رتبة العقول العالمية. يبدو أن هذا النوع الأخير كان معنيا (أو سيكون معنيا) بتعميق الوعي الذاتي لدى كل روح عالمية فردية، وفي الوقت ذاته، بفصل إرادتها عن الإشباع الخاص المحض، ولكن ليس هذا كل ما في الأمر؛ ففي هذا المستوى الرفيع نسبيا من رقي الروح، مثلما هو الحال في مستوانا الروحي الأدنى على الإطلاق، كان لا بد أيضا من وجود انفصال جذري بدرجة أكبر عن مغامرة الحياة والعقل في الكون بأكملها. ذلك أنه مع تيقظ الروح، تزيد رغبتها في النظر إلى الوجود بأكمله لا بعيني المخلوق فحسب، بل من وجهة النظر الكونية بأكملها، وكأنما تنظر إليها من خلال عين الخالق.
في بادئ الأمر، كانت مهمة تأسيس الطوباوية المجرية تستهلك تقريبا كل طاقة العوالم اليقظة. صارت المزيد والمزيد من النجوم تطوق بحلقات متحدة المركز من اللآلئ المثالية وإن كانت اصطناعية. وقد كانت كل لؤلؤة منها عالما فريدا تسكنه سلالة فريدة. من هذا الوقت فصاعدا، صار المستوى الأعلى من الفردانية المستمرة يتمثل في نظام يضم مئات العوالم لا عالما واحدا فقط. وبين هذه الأنظمة، كانت تدور محادثة سلسلة ومبهجة مثلما يحدث بين الأفراد من البشر.
في هذه الظروف، صار معنى أن تكون فردا واعيا، هو أن تستمتع على الفور بالانطباعات الحسية الموحدة لجميع السلالات التي تسكن نظاما من العوالم. ولأن الأعضاء الحسية للعوالم لم تكن تستقبل المدركات «على نحو مجرد» فحسب، بل من خلال أدوات اصطناعية تتمتع بنطاق ودقة فائقين أيضا، لم يكن الفرد الواعي يدرك تركيب المئات من الكواكب فحسب، بل تركيب النظام الكوكبي بأكمله المتجمع حول شمسه أيضا. وكان يدرك الأنظمة الأخرى أيضا، مثلما كان البشر يحس بعضهم ببعض؛ إذ كانت الأجسام البراقة لغيره من الأشخاص «متعددي العوالم» مثله، تبدو عن بعد وهي تدور وتنساب.
بين هذه الأنظمة الكوكبية العاقلة، وقعت تنويعات لا نهائية من الاتصال الشخصي. فمثلما هي الحال بين أفراد البشر، وقعت حوادث الحب والكراهية، وتوافق الطباع وتنافرها، والحميمية التي تبعث على السعادة وتلك التي تبعث على الحزن، وحوادث التعاون والخلاف في المشروعات الشخصية وكذلك في المشروع الضخم المشترك المتمثل في بناء طوباوية المجرة.
Unknown page