فذكر الفارس ذكرى بعيدة وقال له: أليست هي عائلتكم التي نالت امتياز الإقامة بجوار الدير منذ أربعة قرون؟ - نعم. - لقد وثقت بك الآن؛ فإن لعائلتكم شهرة بعيدة بالوفاء. - قل يا سيدي ما تريد، فإني ما خدعت أحدا ولا أبدأ بخداعك.
فنظر الفارس إلى الفتاة وقد جال الدمع في عينيه، ثم قال لداغوبير: إن هذه الفتاة التي تراها ليس لها سواي في هذا الوجود يحميها. - لعلك قريبها؟ - إني أبوها وعمها وأخوها؛ إذ ليس لها سواي، ولكني مضطر إلى الافتراق عنها عاما أو عامين، وربما فارقتها أكثر من ذلك، ويجب علي أن أكون في باريس في هذا المساء، وأن أبرح فرنسا بعد يومين إلى أميركا، فإن شرفي وسعادة هذه الفتاة موقوفان على سفري. - ألعلك يا سيدي تريد إبقاءها عند الأب جيروم؟ - نعم، وسأعهد إليك بقضاء هذه المهمة.
ثم أخرج خاتما من إصبعه ومحفظة من جيبه، أما الخاتم فقد كان منقوشا عليه شعار النبلاء، وأما المحفظة فقد كانت محشوة بالأوراق المالية.
فدفع الخاتم والمحفظة إلى داغوبير وقال له: عندما يفتح باب الدير اذهب بالفتاة إلى الأب جيروم وأعطه الخاتم والمحفظة، فإنه متى رأى الشعار على الخاتم عرف من أنا ومن هي الفتاة. - سأفعل يا سيدي كل ما أمرتني به. - بقي أمر وهو أننا في زمن كثر فيه الاضطراب وأخذ الشعب يجاهر باستيائه حتى بتنا نخشى هبوب الثورة، على أن الشعب إذا ثار فإنما يثور على النبلاء والرهبان، وقد ينقض على هذا الدير ويعجز الأب جيروم عن حماية الفتاة، فهل تتولى حمايتها إذا اتفق ذلك؟ - إني أحميها كما يحمي الأب ابنته في مواقف الشدائد، وأزود عنها مكروه الشعب، فإني من الشعب.
فالتفت الفارس فرأى صليبا معلقا في الجدار، فقال له: أقسم لي بالصليب أنك صادق فيما تقول. - أقسم به وبكل مقدس في السماء أني أسفك دمي قبل أن تسقط شعرة من رأسها. - حسنا، والآن أستودعك الله وأرجو أن يقيك ويقي هذه الفتاة.
ثم دنا من الفتاة وهو يضطرب حنوا، فقبلها وقال لها: الوداع أيتها الحبيبة، وليحرسك الله فإنك من ملائكته. وخرج مسرعا يتبعه داغوبير، فصافحه مودعا وامتطى جواده وسار به ينهب الأرض، فلبث داغوبير واقفا يشيعه حتى توارى عن الأنظار.
ثم دخل إلى دكانه وكان الفجر على وشك البزوغ، فكانت الفتاة لا تزال نائمة، فحملها بين يديه وصعد بها إلى منزله.
وكان داغوبير قد احتفظ بسرير أمه وأبقاه على حاله بعد موتها تذكارا لها، فإنها ماتت منذ خمسة أعوام، وقد وضع فوقه صليبا، فلما صعد بالفتاة إلى تلك الغرفة شعر بعاطفة احترام، وأنكر أن ينومها في سريره، فرفع الصليب عن سرير أمه وأنام الفتاة عليه ثم عاد إلى دكانه.
وكان الرهبان لم يفرغوا من صلاتهم بعد، فهم أن يعود إلى عمله غير أنه خشي أن تستيقظ الفتاة من صوت المطرقة، فامتنع عن العمل وجلس عند باب الدكان ينظر نظرات ساهية إلى الغابة الفسيحة المنبسطة أمام الدير.
وفيما هو يسرح النظر في تلك الغابة رأى نورا أحمر من جهة الغرب يتعاظم ويمتد من فوق أشجار السنديان، فتعجب لهذا النور المتصل بعنان السماء، وقال في نفسه إنه لا يمكن أن يكون نور الشفق، ثم رأى كأن السماء قد باتت كتلة من نار، فأيقن أنها حريقة قد شبت في أحد القصور أو في إحدى المزارع.
Unknown page