ومثل ذلك التاريخ وتلك التزمينات، تستتبع عددا من النتائج والدلالات، حيث تقول التوراة: إن الإسرائيليين قد سبق لهم أن استقروا بفلسطين قبل زمن الدخول إلى مصر بحوالي خمسة قرون، وهو ذلك الزمن الأسطوري الممتد من إبراهيم إلى إسحاق إلى يعقوب المسمى إسرائيل، وأنه إذا كان الإسرائيلي والفلسطيني وافدين على كنعان، غريبين عليها، فإن إبراهيم كان داخلها الأول، حيث سكن بين أهلها الكنعانيين وتكلم بلسانهم، وذلك قبل مجيء الهجرة الفلسطينية بحوالي ستة قرون كاملة.
هذا كلام، لكن التوراة نفسها لها كلام آخر وقول آخر فماذا تقول التوراة؟
أولا:
لقد جاء إبراهيم وأسرته الصغيرة إلى أرض تسميها التوراة أرض كنعان، قادما من موطنه «أوركسديم»، وأن إبراهيم قد تنقل في كنعان بين عدة مواضع، أهمها ذلك الموضع المعروف بمملكة «جرار» التي كان يحكمها ملك اسمه «أبي مالك»، وتصف التوراة تلك المملكة بأنها مملكة فلسطينية، وذلك في قولها: «وتغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أياما كثيرة» (سفر التكوين، 21).
ثانيا:
يتكرر ذكر جرار بذات التوصيف في زمن إسحاق بن إبراهيم في قول التوراة: «فذهب إسحاق إلى أبي مالك ملك الفلسطينيين إلى جرار، وزرع إسحاق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مائة ضعف، فحسده الفلسطينيون» (سفر التكوين، 26).
وهكذا، ومع إبراهيم أول رجل مهم في التاريخ التوراتي، نجد مملكة باسم «جرار» توصف بأنها فلسطينية، وهو ما يعني اعترافا من جانب التوراة بوجود العنصر الفلسطيني في فلسطين قبل زمن الأب إبراهيم بزمن أبعد، يسمح بإقامتهم ممالك مستقرة، ويصبح القول: إن «هيرودوت» أول من أطلق على أرض كنعان اسم فلسطين قولا مردودا بشهادة التوراة ذاتها، أما عند خروج الإسرائيليين من مصر، نجد نصا توراتيا صريحا يسمي أرض كنعان بكاملها، وليس جرار وحدها، باسم فلسطين، وذلك في قوله: «يسمع الشعوب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين» (سفر الخروج، 15). وفي نبوءة متأخرة للنبي اليهودي «صفنيا»، نجده يخاطب تلك الأرض بلسان رب اليهود قائلا: «يا كنعان أرض الفلسطينيين، إني أخربك بلا ساكن» (سفر صفنيا، 2).
وهكذا اكتسبت أرض كنعان اسم أرض الفلسطينيين زمن خروج الإسرائيليين من مصر، رغم أن الفلسطينيين كانوا عنصرا يقطن بساحل فلسطين ضمن عناصرها الأخرى، وقد حددت التوراة مساكن الفلسطينيين كمجموعة ممالك متحدة على الساحل، بترتيب يصعد من الجنوب إلى الشمال، بدءا من غزة على حدود مصر، وذلك في قولها: «من الشيحور الذي هو أمام مصر إلى تخم عقرون شمالا، تحسب للكنعانيين، أقطاب الفلسطينيين الخمسة: الغزي والأشدودي والأشقلوني والعقروني والعويين» (يشوع ، 13)، وفي قول آخر تمزج فيه التوراة بين الكنعاني والفلسطيني نجد: «وكانت تخوم الكنعاني من صيدون حينما تجيء نحو جرار إلى غزة» (تكوين، 10)، لكن الترتيب هنا كان من صيدا في الشمال إلى غزة في الجنوب.
وقد بات من المشكوك فيه عند الباحثين الآن، أن يكون الإسرائيليون الذين خرجوا من مصر، لهم علاقة بذلك الرعيل الأول المسمى بالبطاركة أو الآباء (إبراهيم، إسحاق، يعقوب، الأسباط)، ناهيك عن كون مسألة البطاركة برمتها - كما حكتها التوراة - تدخل في عداد الأساطير عند باحثين محترمين، إضافة إلى جلة محترمة من باحثين آخرين، يرون أن قصة إبراهيم والبطاركة الأوائل لون من الصياغة التي تمت متأخرة بعد الخروج لربط الخارجين بتاريخ قديم، لإلقاء تاريخ إسرائيل المقدس في عمق التاريخ القديم، وأن كل الأمر ربما تم بعد قيام مملكة داود في أورشليم، بتدوين إسرائيل في خضم تاريخ أعرق، وأبعد في القدم، من باب إيجاد موطئ قدم لإسرائيل في التاريخ القديم للمنطقة.
مصداقية التوراة وخلل التاريخ
Unknown page