فقال: ما ينبغي لعاقل أن ينغص على أضيافه في التذاذهم ولا يكدر عليهم في عيشهم، فتعجبوا من صبره وتجلده، ومكارم أخلاقه، ثم صلوا على الغلام وحضروا دفنه وبكوا عليه وانصرفوا.
وعلى المضيف أن يأمر غلمانه بحفظ نعال أضيافه وتفقد غلمانهم بما يكفيهم، ويسهل حجابه وقت الطعام ولا يمنع واردا.
وقيل لبعض الأمراء الكرام: لا بأس بالحجاب لئلا يدخل من لا يعرفه الأمير ويحترز عن العدو، فقال: إن عدوا يأكل طعامنا ولا ينخدع لا يمكّنه الله منا، الأليق بالكريم الرئيس أن يمنع حاجبه من الوقوف ببابه عند حضور الطعام، فإنه ذلك أول الشناعة عليه، وعليه أن يسهر مع أضيافه ويؤانسهم بلذيذ المحادثة وغريب الحكايات، وأن يستميل قلوبهم بالبذل لهم من غرائب الطرف إن كان من أهل ذلك، وأن يري أضيافه مكان الخلاء «١»، فقد قيل عن ملك الهند أنه قال: إذا ضافك أحد فأره الكنيف «٢» فإني ابتليت به مرة، فوضعته في قلنسوتي. وقالوا لا بأس أن يدخل دار أخيه يستطعم للصداقة الوكيدة.
وقد قصد النبي ﷺ والشيخان منزل الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري، وكذلك كانت عادة السلف رضي الله تعالى عنهم. وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلاثمائة وستون صديقا، فكان يدور عليهم في السنة، ولا بأس أن يدخل الرجل بيت صديقه، فيأكل وهو غائب، فقد دخل رسول الله ﷺ دار بريرة ﵂، فأكل طعامها وهي غائبة.
وكان الحسن ﵁ يوما عند بقال، فجعل يأخذ من هذه الجونة «٣» تينة ومن هذه فستقة فيأكلها، فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيد في الورع؟ فقال له: يا لكع اتل عليّ آية الأكل، فتلا: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
إلى قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ
«٤» فقال الصديق: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وعلى المضيف الكريم أن لا يتأخر عن أضيافه ولا يمنعه عن ذلك قلة ما في يده بل يحضر إليهم ما وجد. فقد جاء عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقدمون الكسرة اليابسة وحشف التمر. ويقولون: ما ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه. وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من ألقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف» .
حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه كان نازلا عند الزعفراني ببغداد، فكان الزعفراني يكتب في كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية، فأخذها الشافعي منها يوما وألحق فيها لونا آخر، فعرف الزعفراني ذلك، فأعتق الجارية سرورا بذلك، وكانت سنّة السلف ﵃ أن يقدموا جملة الألوان دفعة ليأكل كل شخص ما يشتهي. ومن السنّة أن يشيع المضيف الضيف إلى باب الدار، وعلى المضيف إذا قدم الطعام إلى أضيافه أن لا ينتظر من يحضر من عشيرته، فقد قيل: ثلاثة تضني:
سراج لا يضيء ورسول بطيء ومائدة ينتظر لها من يجيء، ونزل الإمام الشافعي ﵁ بالإمام مالك ﵁، فصب بنفسه الماء على يديه وقال له: لا يرعك ما رأيت مني، فخدمة الضيف على المضيف فرض:
أعرض طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى واشكر لمن فعلا
ولا تكن سابري العرض محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا
ومن البلاء من يعزم على الضيف، فيعتذر له، فيمسك عنه بمجرد الاعتذار، كأنه تخلص من ورطة، وقيل لبعض البخلاء: ما الفرج بعد الشدة؟ قال: أن يعتذر الضيف بالصوم. ومن البخلاء من يعجبه طعامه ويصف زبادية ويشتهي أن تبقى على حالها، ومنهم من يحضر طعامه فإذا رآه ضيوفه أمر بأن يرفع منها أطيبها وأشهاها إلى النفوس، ويعتذر أن في أصحابه من يحضر بالغداة عنده.
وحكي عن بعض البخلاء أنه استأذن عليه ضيف وبين يديه خبز وزبدية فيها عسل نحل، فرفع الخبز وأراد أن يرفع العسل، فدخل الضيف من قبل أن يرفعه، فظن البخيل أن ضيفه لا يأكل العسل بلا خبز، فقال له: ترى أن تأكل عسلا بلا خبز، قال: نعم، وجعل يلعق العسل لعقة بعد لعقة، فقال له البخيل: مهلا يا أخي والله أنه يحرق القلب، قال: نعم صدقت، ولكنه قلبك.
وحكي عن بعضهم أنه قال: غلب عليّ الجوع مرة،
1 / 193
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله