فقلت: أمضي إلى دار فلان لأتغدى عنده، فجئت إلى باب بيته، فوجدت غلامه، فقلت له: أين سيدك؟ فقال، والله لا قلت لك عليه إلا أن أعطيتني كسرة، قال: فرجعت هاربا.
ومن البخل تقديم الشيء اليسير وتفخيمه.
حكي عن بعض البخلاء أنه حلف يوما على صديقه، وأحضر له خبزا وجبنا وقال له: لا تستقل الجبن، فإن الرطل منه بثلاثة دراهم، فقال له ضيفه: أنا أجعله بدرهم ونصف، قال: وكيف ذلك؟ قال: آكل لقمة بجبن ولقمة بلا جبن، فأين هؤلاء من الذي يقول:
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحق الله من ليلة ... قد أطعم الضيف ولم أطعم
إنّ الغنى بالنفس يا هذه ... ليس الغنى بالمال والدرهم
وقال بعض البخلاء:
سرى نحونا يبغي القرى طاوي الحشى ... لقد علمت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصّبح شاتم ... يعدد تطفيل الضيوف وضارب
فشتان ما بين القائلين.
وأما آداب الضيف
فهو أن يبادر إلى موافقة المضيف في أمور منها: أكل الطعام، ولا يعتذر بشبع بل يأكل كيف أمكن. فقد حكي أنه ورد على بعض الأعراب ضيف، فدخل به إلى بيته وقدم له الطعام، فقال الضيف لست بجائع، وإنما أحتاج إلى مكان أبيت فيه، فقال الأعرابي: إذا كان هذا، فكن ضيف غيري، فإني لا أرى أن تمدحني في البلاد وتهجوني فيما بيني وبينك.
وحكي عن بعض التجار قال: استدعاني أبو حفص محمد بن القاسم الكرخي لأعرض عليه قماشا من تجارتي، فبينما أنا بين يديه، وإذا بأطباق الفاكهة قد حضرت فقمت من مجلسه، فقال: يا فلان. ما هذا الخلق العامي؟ اجلس، فجلست وتحققت كرمه وجعلت آكل الكمثراة في لقمة والتفاحة في لقمة، ثم قدم الطعام وكنت جائعا فأكلت جيدا ثم انصرفت، فلم أشعر في اليوم الثاني إلا وقد جاءني غلامه ببغلته، فاستدعاني إليه، فقال:
يا فلان إني قليل الأكل بطيء الهضم، ولقد طابت لي مؤاكلتك بالأمس، فأريد أن لا تنقطع بعدها عني، قال، فكنت متى انقطعت حضر غلامه في طلبي، فحصل له بقربي منه مال كثير وجاه عريض.
ومن آداب الضيف أيضا أن لا يسأل صاحب المنزل عن شيء من داره سوى القبلة، وموضع قضاء الحاجة، وأن لا يتطلع إلى ناحية الحريم وأن لا يخالفه إذا أجلسه في مكان وأكرمه به، وأن لا يمتنع من غسل يديه. وإذا رأى صاحب المنزل قد تحرك بحركة فلا يمنعه منها. فقد نقل في بعض المجاميع أن بعض الكرماء كان عربيدا على أضيافه سيىء الخلق بهم، فبلغ ذلك بعض الأذكياء، فقال: الذي يظهر لي من هذا الرجل أنه كريم الأخلاق، وما أظن سوء أخلاقه إلا لسوء أدب الأضياف، ولا بد أن أتطفل عليه لأرى حقيقة أمره، قال: فقصدته وسلمت عليه، فقال: هل لك أن تكون ضيفي. قلت: نعم، فسار بين يدي إلى أن جاء إلى باب داره، فأذن لي، فدخلت، فأجلسني في صدر مجلسه، فجلست حيث أجلسني، وأعطاني مسندا، فاستندت إليه، فأخرج لي شطرنجا، وقال: أتتقن شيئا؟ قلت: نعم. فلعبت معه، فلما حضر الطعام جعل يقدم لي ما استطابه، وأنا آكل، فلما فرغنا قدم طستا وإبريقا وأراد أن يسكب الماء على يدي، فلم أمنعه من ذلك، وأراد الخروج من بين يدي بعد أن قدم نعلي، فلم أرده عن ذلك، فلما أراد الرجوع. قلت: يا سيدي أنشدك الله إلا فرجت عني كربة؟ قال: وما هي؟
فأخبرته الخبر، فقال: والله ما يحوجني لذلك إلا سوء أدبهم، يصل الضيف إلى داري، فأجلسه في الصدر، فيأبى ذلك، ثم أقدم إليه الطعام، فلا أتحفه بشيء مستظرف إلا رده عليّ، ثم أريد أن أصب الماء على يديه عند الغسل، فيحلف بالطلاق الثلاث ما تفعل، ثم أريد أن أشيعه، فلا يمكنني من ذلك، فأقول في نفسي لا يحكم الإنسان على نفسه حتى في بيته، فعند ذلك أشتمه وألعنه وأضربه.
وفي معنى ذلك يقول بعضهم:
لا ينبغي للضيف أن يعترض ... إن كان ذا حزم وطبع لطيف
فالأمر للإنسان في بيته ... إن شاء أن ينصف أو أن يحيف
1 / 194
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله