Mirʾāt al-jinān wa-ʿibrat al-yaqẓān fī maʿrifa mā yaʿtabar min ḥawādith al-zamān

مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر¶ من حوادث الزمان

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير إلى لطف الله الكريم سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة علم العلماء وقدوة العرفاء أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي نزيل الحرمين الشريفين اليمني المعروف باليافعي: اما بعد حمدا لله المتوحد بالإلهية والكمال والعظمة والسلطان مميت الأحياء ومحيي الأموات المعروف بالرحمة والإحسان موجد الوجود ومفيض الفضل والجود في سائر الأكوان، الأزلي الأبدي، الحي الباقي، وكل من عليها فان. وصلواته وسلامه على رسوله الحبيب الكريم المنتخب من نسل عدنان النازل في ذروة علياء المفاخر المجلي عند استباق الأصفياء النجباء يوم الرهان وعلى آله وأصحابه الغر الكرام المعز بهم دين الإسلام السامي على سائر الأديان. فهذا كتاب لخصته واختصرته، مما ذكره أهل التواريخ والسير أولو الحفظ والاتقان في التعريف بوفيات بعض المشهورين المذكورين الأعيان، وغزوات النبي ﵌، وشيء من شمائله، ومعجزاته، ومناقب أصحابه وأموره، وأمور الخلفاء والملوك، وحدوثها في أي الأزمان على وجه التقريب لمعرفة المهم من ذلك دون الاستيعاب، واستقصاء ذكر الأوصاف والأنساب لأستغني به في معرفة ما تضمنه عن الحاجة إلى استعارة التواريخ للمطالعة في بعض الأحيان، معتمدًا في الشمائل والمناقب على ما أفصح به كتاب الشمائل للترمذي وجامعه والصحيحان، وفي التواريخ على ما قطع به الذهبي، أو أوله وصحح، ومودعه أشياء من الغرائب والنوادر والظرف والملح ملتقطًا ذلك من نفائس جواهر نوادر الفضلاء، ومعظمها من تاريخ الإمام ابن خلكان وشيئًا من تاريخ ابن سمرة في قدماء علماء اليمن أولي الفقه والحكمة والبيان مختصرًا في جميع ذلك على الاختصار بين التفييط المخل، والإفياط الممل، محافظًا على لفظ المذكورين في غالب الأوقات حاذفًا للتطويل، وما يكره المتدين ذكره من الخلاعات، على حسب ما أشرت إليه في هذه الأبيات.
أيا طالبًا علم التواريخ لم تشن ... بإخلال تفييط وإملال إفياط
تلق كتابًا قد أتى متوسطًا ... وخير أمور حل منها بأوساط
تجلى بأشعار زهت ونوادر ... وما لاق من إثبات ذكر وإسقاط

1 / 7

به تجتلى الأسماع عند غرائب ... وليًا منقى من قشور وأخلاط
ومن درر الألفاظ عين معاني ... ونجباة خودات نقاوة لقاط
بذاك اعبتار واطلاع مطالع ... على علم دهر رافع الخلق حطاط
وتصريف أيام حكيم مداول ... لها مسقط في خلقه غير قساط
فكم في تواريخ الوقائع عبرة ... لمعتبر خاشي العواقب محتاط
فنى من صروف الدهرحزم مجانب ... تعاطى أمور معطيات لمتعاطي
قنوع بما فيه الخبير أقامه ... وقدره راضي القضا غير مسخاط
أجر رب من كل البلايا وفتنة ... بدنيا بها كم ذي افتنان وكم خاطي
وكم غارق في بدرها جاء شطه ... فكيف بمن للبدر قد جاوز الشاطي
وسميته مرآة الجنان وعبرة اليقطان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان، وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان، مرتبًا على سني الهجرة النبوية، والله الموفق المستعان، والحمد لله رب العالمين على كل حال.
السنة الأولى من الهجرة
هاجر ﵌ من مكة المعظمة إلى المدينة المكرمة بالتأييد والتوفيق في صحبة الصديق السابق بالتصديق، ومعهما عامر بن فهيرة ورجل آخر من أهل الحيرة بالطريق، فدخلها ﵌ ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، فبنى ﵌ مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين، والأنصار، رضي الله تعالى عنهم، وأسلم عبد الله بن سلام، وتوفي نقيبان أسعد بن زرارة الأنصاري من بني النجار والبراء بن معرور السلمي.

1 / 8

السنة الثانية
فيها حولت القبلة إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، وكان ﵌ في أصحابه، فجاءت صلاة الظهر في منازل بني سلمة، فصلى بهم ركعتين من الظهر في مسجد القبلتين إلى القدس، ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة، وهو راكع في الركعة الثانية فاستدار واستدارت الصفوف خلفه ﵌، فأتم الصلاة فسمي مسجد القبلتين. وفي شعبان أيضًا فرض صوم رمضان، وفي رمضان كانت وقعة بدر يوم الجمعة في السابع عشر منه، فاستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، منهم ابن عم رسول الله ﵌ أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قلت: هكذا ذكروا في التواريخ، ولم يبينوا من هم، وقد بينهم علماء السير، فقالوا: كان من قريش ستة أولهم أبو عبيدة بن الحارث ابن عم رسول الله ﵌ وعمير بن أبي وقاص الزهري، وذو الشمالين بن عبد عمرو، وعاقل بن البكير ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، ومن الأنصار ثمانية خمسة من الأوس سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف، وزيد بن الحارث من بني سلمة، ورافع بن المعلى من بني خثيم، وثلاثة من الخزرج من بني النجار، حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء، ﵃. وقتل من الكفار سبعرن، وأسر سبعون، ومن المقتولين رأس الكفرة أبوجهل المخزومي، وعتبة بن ربيعة العبشمي، فهما المقدمان في الجيش والكبيران في قريش. وفيها توفيت رقية بنت رسول الله ﵌ زوجة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وفي شوال منها دخل النبي ﵌ بعائشة، وفيها بنى علي بفاطمة ﵄.
وفيها توفي عثمان بن مظعون ﵁ بالمدينة، وهو أول من مات من المهاجرين في زمن النبي ﵌ بالمدينة بعد رجوعه من بدر، ولما دفن

1 / 9

قال النبي ﵌: " نعم السلف هو لنا عثمان بن مظغون ". وأعلم ﵌ قبره بحجر، وكان يزوره، وكان عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني على أن أنكح كريمتي، فلما حرمت الخمر، وأعلم بتحريدها قال: تبًا لها، قد كان بصري منها ثاقبًا، ورأته امرأته فقالت:
ياعين جودي بدمع غير ممنوع ... على رزية عثمان بن مظعون
على أمرء بان في رضوان خالقه ... طوبى له من فقيد الشخص مدفون
مع أبيات أخرى، ومن فضائله أنه لما مات قبله النبى ﵌، وأعلم على قبره، ودفن بجنبه ولده ابراهيم رضي الله تعالى عنه، وأنه لما سمع لبيدًا ينشد شعرًا:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال: صدقت، فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال: كذبت نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش أكذب في مجلسكم، فلطم بعض الحاضرين عثمان بن مظعون على وجهه حتى اخضرت إحدى عينيه، وذلك في أول الإسلام، فقال له عتبة بن ربيعة: لو بقيت في منزلي ما أصابك هذا، وقد كان في نزله، ثم رده عليه، وقال له عثمان: ان عيني الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله، وفيها ولد عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما.
السنة الثالثة
في رمضان منها ولد الحسن رضوان الله عليه قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما وزمان وفاتهما أن تكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم، ثم وقفت على كلام للأمام القطبي المالكي يذكر فيه أنه ولد في شهر شعبان في
السنة الرابعة، فعلى هذا ولد الحسين، قبل تمام السنة من ولادة الحسن ومثل هذا غريب في العادة. نادر الوقوع. ويؤيد هذا ما وقفت عليه، بعد ذلك من نقل الواحدي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها، علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، والله أعلم. وفي الثالثة أيضا دخل النبي ﵌ بحفصة رضي الله تعالى عنها.

1 / 10

وفي رمضان أيضًا دخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين، وعاشت عنده نحوًا من ثلاثة أشهر. ثم توفيت. وفيها تزوج عثمان ﵁ بأم كلثوم بنت النبي ﵌. وفيها تحريم الخمر، ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها في الحادي عشر منه، فاستشهد فيها عم النبي ﵌، الأسد المتغلب أبو يعلى حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ومناقبه مشهورة، وسيرته مشكورة. وشجاعته معروفة. ونجابته موصوفة، وقد ورد أنه لما بلغه أن أبا جهل آذى النبي ﵌ بمكة قصده حمزة، فشجه بقوس كانت في يده. جاء بها من الصيد ومشاهده معروفة منها يوم بدر، ويوم أحد قتل فيها جماعة وبلي فيها بلاء حسنًا، وكان ممن قتل يوم بدرعتبة بن ربيعة، وقيل: بل أخوه شيبة مبارزة، وما ندبه ﵌ إلى البراز يوم بدر للعدى إلا لما علم فيه من النجدة، ومكافحة الأقران أولى الاعتداء، وكان يقال له: أسد الله، وأسد رسوله أسلم في السنة الثالثة، وقيل في السنة السادسة من مبعثه، ﵌ ولم يسلم من إخوته سوى العباس، وكانوا تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر، وهم حمزة، والعباس، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والحارث، وهو أكبرهم سنًا، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوم، والمغيرة، وضرار، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، والغيداق، وعبد الله والد رسول الله ﷺ. ولما وقف ﷺ عليه مقتولًا ممثلًا به يوم أحد حلف ليقتلن به سبعين من قريش، فأنزل الله ﷿ " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله ﷺ: " بل نصبر "، وكفرعن يمينه، ورثاه كعب ابن مالك، وقيل عبد الله بن رواحة، فقال:
بكت عيني، وحق لنا بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد ألا له غداة قالوا ... لحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعًا ... هناك وقد أصيب به الرسول

1 / 11

أبا يعلى بك الأركان هدت ... فأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان ... يخالطها نعيم ل ايزول
وفيها قتل الذي لبس في الله إهاب كبش، بعدما كان من الذين يلبسون ويتنعمون، فقال فيه رسول الله ﷺ: " دعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون " مصعب بن عمير العبدري قتل مع تتمة سبعين رجلًا من المسلمين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وفي الحديث هاجرنا، فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لسبيله، ولم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن غمير قتل يوم أحد، وليس له إلا نمرة إن غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﵌ " غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر "، ومنا من أينعت له ثمرة فهويهديها، وكان أبواه يحبانه، ويغذيانه بأطعم الطعام والشراب، ويلبس أحسن ملابس الثياب، وكان رسول الله ﵌ يقول: " ما رأيت رجلًا أحسن ملة، ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير "، وكان إسلامه في دار الأرقم ولما قدم من بعض الأسفار بدأ بالنبي ﵌ قبل أمه فغضبت، فقالت قدم على رسول الله ﵌ أحدًا أو كانت في يده راية رسول الله ﵌ يوم بدر، ويوم أحد فلما قتل أخذها ليث بني غالب علي بن أبي طالب. وغزوة بدر الصغرى في هلال في القعدة، وفيها غزوة بني النضير عند بعضهما، وذكر بعض المحققين أنها في الرابعة.
السنة الرابعة
فيها غزوة بن معونة في صفر، قال أنس: كانوا سبعين، فقتلوا يومئذ، وقال غيره: وكانوا أربعين، وكان يقال لهم: القراء، فاستشهدوا كلهم، ونزل فيهم قرآن. وغزوة بني النضير في الربيع الأولى، فنزلوا صلحًا، وارتحلوا إلى خيبر. وغزوة ذات الرقاع في أول المحرم. وغزوة الخندق عند بعضهم، وكان مدة إقامة

1 / 12

الأحزاب فيها خمسة عشر يومًا، ثم هزمهم الله تعالى، وكذلك نزول التيمم، وزواج أم سلمة.
السنة الخامسة
ذكر بعضهم فيها صلاة الخوف، وغزوة دومة الجندل، وغزوات ذات الرقاع عند نعضهم خلإذا لما تقدم، وغزوة الخندق عند بعضهم في شوال، ثم غزوة بني قريظة، وممن ذكر هذا الذهبي، قلت: والعجب من الشيخ محيي الدين النواوي ﵀ كيف صحح كون غزوة الخندق في الرابعة، وغزوة بني قريظة في الخامسة ذكر ذلك في الروضة مع أنها وقعت عقبها وظاهرهذا النقل التناقض. اللهم إلا أن يكون غزوة الخندق في آخرالرابعة عنده، وغزوة بني قريظة في أول الخامسة. اعني دامت إلى أول الخامسة، فيصح ذلك لكني أراه بعيدًا لوجهين: أحدهما ما تقدم من كون غزوة الخندق في شوال، وهذا النقل وإن احتمل خلفه، فالوجه الثاني لايحتمل خلافه، وهو ما قد علم من نصوص الأحاديث أن النبي ﵌ توجه إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه الأحزاب من غزوة الخندق بعدما أخبره جبرائيل ﵇ بأن الله تعالى يأمره بالتوجه إلى بني قريظة، والغزوة إذا أطلقت حملت على ابتدائها دون دوامها، وغزوة الخندق هي غزوة الأحزاب، ولم يكن فيها سوى الرمي بالنبل، والمصابنة أكثر من عشرين يومًا، وقيل: خمسة عشر يومًا، وخرج فيها للمبارزة عمرو بن عبد ود، فبارزه علي رضي الله تعالى عنه فقتله. وفي السنة المذكورة توفي سعد بن معاذ سيد الأوس الذي اهتز عرش الرحمن بموته، وقال ﵌ فيه: " قوموا إلى سيدكم ". وقال: " لقد حكم بحكم الله " الحديث لما حكم في بني قريظة بما هو معروف، وقال: " لمناديل سعد في الجنة خير من هذا " مشيرًا إلى الحرير الذي أعجبهم كل هذه من بعض مناقبه، مات ﵁ شهيدًا من سهم أصابه في غزوة الخندق، وعاش بعده حتى حكم في بني قريظة، وعدل في حكمه الذي وافق فيه حكم الله ﷿.

1 / 13

وقال ابن عبد البر: روي عن النبي ﵌ أنه قال: " لقد نزل من الملاتكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفًا ما وطأوا الأرض قبل ذلك ". قال ابن عبد البر: وبلغني عن بعض السلف أن جبرائيل ﵇ نزل من السماء معتمًا بعمامة من استبرق، وقال: يا نبي الله من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتزله العرش؟ فخرج رسول الله ﵌ سريعًا يجر ثوبه فوجد سعدًا وقد قبض، وفي ذلك يقول رجل من الأنصار شعرًا.
وما اهتز عرش الله من موت هالك ... علمنا به إل السعد أبي عمرو
السنة السادسة
فيها بيعة الرضوان في ذي القعدة، وموت سعد بن خولة بمكة، وذكر بعضهم فيها غزوة بني المصطلق، وفرض الحج فيها، وقيل سنة خمس، وكسفت الشمس ونزل حكم الظهار.
السنة السابعة
فيها غزوة خيبر، وفتحها في صفر، وأكرم فيها بالشهادة بضعة عشر. وتزوج ﵌ صفرة، وميمونة، وأم حبيبة، وجاءته مارية القبطية هدية، وبغلته دلدل، وقدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة ﵃، وأسلم أبو هريرة ﵁. وفيها عمرة القضاء في ذي القعدة التي قضاها المسلمون عن عمرة الحديبية.
السنة الثامنة
فيها غزوة مؤتة في جمادى الأولى، فاستشهد الأمراء الثلاثة الأجلة السادة زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﵌، ومن فضائله تقديم النبي ﵌ في الإمارة. على الأمراء، وقوله ﵌: " وإن كان خليقأ للأمرة " أي حقيقًا بها، وكان قد أسرته العرب، وهو صبي، فجلب إلى المدينة. فسمع به قرابته، فقدم منهم جماعة لأجله وفيهم أبوه وعمه، فوجدوه قد ملكه النبي صلى الله عليه

1 / 14

وآله وسلم، وأعتقه، فكلموه ﵌ فيه، فجعل ﵌ الخيرة إلى زيد أن اختار قومه أرسله معهم وإن اختار النبي ﵌ أقام معه، فرغبه أهله إلى أن يختارهم، فأبى، واختار النبي ﵌ للسعادة السابقة، وكان ﵌ يحبه، وفيه نزل " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " الأحزاب قيل أنعم الله تعالى عليه بالإيمان، وأنعمت عليه بالعتق والإحسان. وزوجة رسول الله ﵌ زينب بنت جحش، فأقامت عنده. إلى أن فارقها لما فهم أن لرسول الله ﵌ فيها رغبة موثرًا بها رسول الله ﵌ على نفسه، فزوجها الله تعالى عند ذلك رسول الله ﵌، كما أخبر سبحانه بقوله " فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكما " عوضها الله تعالى أشرف الخلق وأكرمهم ﵌، لما انقادت وأطاعت في زواج زيد بعد أن كانت قد كرهته هي وأخوها لكونه مولى، فلما أنزل الله ﷿ في ذلك: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الآية إذعنًا وأطاعا واستسلما لحكم الله تعالى فأعقبها ذلك السعادة الكبرى في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبد البر: كان قد سبي في الجاهلية، وهو غلام، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﵌ تبناه ﵌ بمكة قبل النبوة، فهو ابن ثمان سنين، فقال أبوه حارثة حين فقده. أشعارًا:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي يرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلًا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نضر العيش في الأرض جاهدًا ... ولا أسأم التطواف أوتشأم الأبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرء فان وإن غره الأمل
فحج بعد ذلك ناس من كلب فرأوا زيدًا، فعرفهم، وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فأنشد أشعارًا:
أحن إلى قومي وإن كنت نائيًا ... فإني قعيد البيت عند المشاعر

1 / 15

فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعلموا في الأرض نض الأباعر
فإني بحمد الله في خيرأسرة ... كرام معد كابن بعد كابن
فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فخرج أبوه وعمه لفدائه، وقدما مكة واليًا النبي صلى اله عليه وآله وسلم، وقالا له: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله. وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، قال: " من هو؟ " قالوا: زيد بن حارثة، فقال ﵌: " فهلا غير ذلك " قالوا: وما هو؟ قال: " ادعوه فأخبره فإن اختاركم، فهو لكم وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي اختارعلى من اختارني أحدًا " قالوا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه النبي ﵌، وخيره، فقال: ما أنا بالذي اختار عليك أحدًا أنت مني مكان الأب والعم، فقالوا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا، فلما رأى النبي ﵌ ذلك، أدخله الحجر، وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه " فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فادعي يومئذ زيد بن محمد. وذكر معمر في جامعه عن الزهري، قال: ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة قال عبد الرزاق، وما أعلم أحدًا ذكر هذا غير الزهري، وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة، وشهد زيد بدرًا، وزوجه ﵌ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وكان يقال له: حب رسول الله ﵌، وكذا يقال: لزيد، ثم زوجه ﵌ زينب على ما تقدم والله أعلم. ثم استشهد بعده جعفربن أبي طالب، وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومن فضائله ارسال النبي ﵌ له أميرًا، وحصول الهجرتين له ولأصحابه، وصدقه بين يدي النجاشي في أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه عبد الله ورسوله مع اتخاذ النصارى له إلهًا وقتلهم من يصفه بكونه عبدًا، واسهامه ﵌ ولأصحابه يوم خيبر، ولم يكونوا شهدوا الوقعة، وشدة شفقته على المساكين وبره لهم كما ورد في الحديث. قلت: هذا ما لخصته من أقوال العلماء، وكان يشبه النبي ﵌ في

1 / 16