والوساوس، والهذيان، والمخاوف
phobies ) وذلك لإعادة تصوير تاريخ الفرد من جديد وتحديد الحوادث التي تردد صداها في نفسه، وتوضيح آثار هذه الحوادث والعمليات النفسية التي تؤدي إليها. وبفضل التطبيقات العلاجية التي توصل إليها التحليل النفسي، وبفضل امتداد منهجه إلى ما وراء الحالة الانفعالية، أي إلى العقل والإرادة، أصبح ذلك التحليل يحتل اليوم مكانا مرموقا في علم النفس. (ج) مذهب تداعي المعاني ومدرسة الجشطالت
يوجه التحليل النفسي علم النفس نحو فحص «التجمعات السيكولوجية» التي يصف تركيبها وتاريخها. فهو يغلب فكرة التركيب الكلي على فكرة البساطة، وبهذا يتفق مع مدرسة الجشطالت (الصورة الكلية) في علم النفس. وبينما كان هدف العلم النفسي المسمى بالذري
10
أو الترابطي في القرن الثامن عشر، هو تفسير الظواهر النفسية عن طريق تجمع عناصرها الأولية، كالإحساسات أو المعاني، فإن علم النفس الجشطالتي يلاحظ أن الإدراك الحسي هو دائما إدراك لصورة كلية، أي لمجموعة منظمة لها دلالتها، وتبرز فوق «أرضية» كما تبرز لوحة الرسم فوق الحائط أو اللحن فوق السكون، ومن ثم لا يمكننا إعادة تركيب الإدراك الحسي عن طريق إحساسات منعزلة. وبوجه عام فكل سلوك (أعني كل فعل نقوم به، أو رأي نصرح به، أو حاجة نسعى إليها) هو أكثر من مجرد مجموعة للعناصر التي يمكننا أن نحلله إليها، فالعقل ليس مجرد مجموعة مختلفة من الحركات، والحكم ليس مجرد معان متجاورة، والرغبة ليست مجموعة من الإحساسات الوجدانية. ولا يكون للسلوك معنى إلا إذا وضعنا نصب أعيننا طابعه الكلي هذا، وعندئذ يكون هذا المعنى هو الذي كشف عنه الاستبطان من قبل. غير أن هذا الاعتماد على الدلالة الشاملة والوحدات المتجمعة، لا المتجزئة، لا يحول على الإطلاق دون دراسة السلوك دراسة علمية. (د) علم النفس الفسيولوجي
ومن ذلك فقد اعتقدت بعض المدارس أنه يجب البحث عن الموضوعية من جهة الجسم بوجه خاص، بدلا من البحث عنها في الوعي، ويرجع ذلك أولا إلى أن الملاحظة والقياس هي في الظواهر الجسمية أيسر منها في ظواهر الوعي، وإلى أن الظواهر الجسمية تتحكم في ظواهر الوعي هذه تحكما قويا. ومن هنا كانت الأهمية التي اكتسبها علم النفس الفسيولوجي، الذي يدرس الأسس أو المظاهر العضوية للظواهر النفسية، ويدرس بوجه خاص تركيب المخ والجهاز العصبي المركزي وأجهزة الحس، وكذلك طريقة أداء هذه الأجهزة لوظائفها، وأحوالها المرضية. وهنا يدخل علم النفس في مجال البيولوجيا البشرية. وفي مقابل علم النفس الفسيولوجي، نجد علم النفس الاجتماعي، الذي سنعود إليه فيما بعد، والذي يدرس علاقة الفرد بالجماعة الاجتماعية، ويهتم خاصة بمختلف المؤثرات التي تباشرها الجماعة على الفرد. (ه) علم النفس السلوكي
على أن هناك اليوم مدرسة كبيرة تأبى الاعتراف بالتضاد بين الظاهرة النفسية والظاهرة الفسيولوجية، وتزعم أن أساس هذا التضاد هو التفرقة الميتافيزيقية بين الجسم والروح، وتجد في فكرة التصرف أو السلوك وسيلة لتجاوز نطاق هذا التضاد. ويمكننا أن نذكر من طلائع هذا المذهب في علم النفس كلا من بافلوف
الروسي وبيير جانيه الفرنسي، وواطسن وثورنديك الأمريكيين، كلا في اتجاهه الخاص. والمدرسة السلوكية في علم النفس ، وإن لم تكن تنكر الشعور أو الوعي ضرورة (رغم أن بعض ممثليها أرادوا إنكاره) فإنها ترمي إلى دراسة الإنسان على نحو يتيح ملاحظته ملاحظة موضوعية من الخارج، وكما يتجلى للقائم بالملاحظة في أفعاله وأقواله. فبدلا من أن تدرس الذاكرة على أنها وظيفة نفسية، تلاحظ كيف تؤدي وظيفتها بحسب الظاهر، أي كيف يتعلم الإنسان أو ينسى، ويروي ... إلخ، وبدلا من أن تدرس الإدراك الحسي، تلاحظ كيف يعبر المار الطريق، وكيف يشرف العامل على الآلة، وكيف ينقل الرسام منظرا طبيعيا. (4) المنهج التجريبي
هذه الدراسات في علم النفس الفسيولوجي، وفي علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السلوكي - سواء أكانت تتخذ علم نفس الجشطالت مصدر وحي لها أم لم تكن - تندرج كلها تحت ما يسمى بعلم النفس التجريبي ويستخدم الأستاذ «لاجاش
Lagache » هذا اللفظ في مقابل علم النفس العلاجي (الإكلينيكي) أو علم النفس الشامل
Unknown page