523

قد عاثت في دمائها [1]، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال:

فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا أجاباه وقالا: نحن لك به فصالحه.

قال: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنبر والحسن إلى جانبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين،

وقد تقدم هذا الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

فمكان انقياد الحسن (عليه السلام) إلى الصلح لمعاوية وتسليم الأمر إليه والجنوح إلى الصلح من آثار الأخبار النبوية، ومعدودا من معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، انتهى كلام ابن طلحة رحمة الله تعالى.

قلت: يجب أن تكتفي أيدك الله بما عرفتك به من أن الحسن (عليه السلام) إنما صالح معاوية لما علمه من تواكل أصحابه وتخاذلهم، وميلهم إلى معاوية ومواصلتهم إياه بكتبهم ورسائلهم، ورغبتهم عن حقه، وصغوهم إلى أهل الشام وباطلهم، فخذلوه كما خذلوا أباه من قبله، فقبحا لخاذلهم وفعلهم بأخيه من بعده، دال على فساد عقائدهم وقبح فعائلهم، فمتى أمعنت النظر وجدت أواخرهم قد انتهجوا سبيل أوائلهم، وهمجهم قد نسجوا على منوال أماثلهم.

بأسياف ذاك البغي أول سلها

أصيب علي لا بسيف ابن ملجم

ولهم جميعا يوم يظهر فيه ما كانوا يكتمون، ويجازون (فيه) بما كانوا يعملون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

وقال (عليه السلام): التبرع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد.

وسئل عن البخل فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا وما أمسكه شرفا.

لو أراد (عليه السلام) الصناعة لقال سرفا وشرفا، لكنهم (عليهم السلام) بريئون من التكلف، منزهون عن التصنع، تقطر الفصاحة من أعطافهم، وتؤخذ البلاغة من ألفاظهم، فهم فرسان الجلاد والجدال، وليوث الحروب وغيوث النزال.

أذكر هنا ما نقله من كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم رحمه الله قال: فأما السيد المحبب، والحليم المقرب الحسن بن علي (عليهما السلام) فله في معاني المتصوفة الكلام المشرق المرتب، والمقام المونق المهذب، وقد قيل: إن التصوف تنوير البيان وتطهير الأكنان.

Page 528