وأراهم خيالهم السامي أن التطور سنة الحياة وأقدس نواميسها، فداروا مع الزمن محتفظين بخواصهم الاكتسابية والغريزية، فعدوا عن لغتهم الهرمة، وخطبوا لغة بني عمهم الجميلة، نصروها عزيزة وأحبوها مقهورة، فبينا كانت كتبها تتدهور في دجلة والفرات وتحمى بها الأفران والحمامات، كانوا يخبئونها في أحشاء كهوفهم - وهل كانت الديورة إلا كهوفا! - وتنكر لها الناس حتى بنوها الخلصاء، فآووها هم ونصروها، وأفرغوها حلة قشيبة على كتابهم المقدس، فاحتبت ناعمة البال عن يمين المذبح، وأمست لغة خيالهم وأحلامهم.
تصوروا راهبا لبنانيا - المطران جرمانوس فرحات - ينتقل في أواخر القرن السادس عشر، بين أعمدة جامع قرطبة ومحرابه، يتأمل بإعجاب وإجلال آثار ذلك الفردوس المفقود. أما مات ذلك الراهب عشر موتات قبل بلوغ الأندلس؟
وتحرك الخيال اللبناني بعد حين، فرأينا كاهنا آخر يركب البحر بينما كان شاعرنا العربي يقول:
لا أركب البحر أخشى
علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء
والطين في الماء ذائب
إلى رومة أبحر السمعاني حاملا على سفن أجداده حاصلاتنا الثقافية، وفي مكتبة الفاتيكان هدأ روع العربية الملهوفة، وهناك خلدت ذكر السمعاني كما خلد السمعاني ذكر العرب بما ترجم للبابا إكليمنضوس الحادي عشر. هذا حديث البحر، وقد أحتاج إلى معجم كلاروس إذا عمدت إلى ذكر الأعلام، فلنختصر.
اللبناني قديما وحديثا، مطبوع على الأخذ والعطاء، وفلسفة النفس الحديثة تثبت أن للوراثة والجنس تأثيرا في العبقرية، فإذا ورث الرجل عن أبويه تخيلا شديدا، هيأه هذا الاستعداد للشعر أو للتجارة أو المالية. وصورة العبقرية تختلف بحسب المحيط، وهذا ما عملته العبقرية اللبنانية، تعلم اللبناني لغات الغرب، وعلم الغرب لغات الشرق فكان تبادل الثقافات - كتبادل البضائع - ينعش الأسواق، وهكذا انتعشت اللغة العربية ووجد المتمشرقون.
ثابت علميا أن التطعيم خير الوسائل وأجداها لترقية الأنواع، وهذا ما عمله الخيال اللبناني المعاصر في الأدب العربي، طعمه بالثقافات الأخرى فأتم ما بدأ به العباسيون الأوائل. والثقافة كالمتجر تنمو وتزداد بالتبادل والعمل المنتج، واللبناني تاجر عبقري، وصورة الثقافة كما قالوا تختلف باختلاف المحيط والزمان.
Unknown page