بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وعلى آله الغر الميامين ، وعلى أصحابه الصادقین الذين احسنوا صحبته ولم يخالفوا عهده إلى يوم الدين . وبعد: فهذه رسالة « جامعة الجامعة» أو « زبدة رسائل اخوان الصفاء وخلان الوفاء و صلوات الله عليهم ، ونبدأها في بيان ماهية الموت والحياة ، وما حكمة وجودهما في الدنيا التي هي عالم الكون والفساد ، وما حقيقة المعاد . والغرض المقصود منها الكشف عن علة رباط الأنفس الجزئية الناطقة بالأجسام ، واتصالها بالأشخاص الجزئية إلى وقت الموت وكيفية الثواب والاستعداد قبل الموت ، ثم الاستعجال قبل الفوت ما دام الخلاص مكنأ ، وسبب النجاة معروضة والأجساد موجودة ، والآلات متمكنة ، وبذلك يكون الاشتهاء للموت وإزالة الخوف والتجاني عنه ، كما قال الله عز وجل :

Page 62

الموت إن كنتم صادقین » وبتمني النفس الموت ودنوها منه ، وتسليمها جسدها اليه ، إذا حل بساحتها ، وترك أستعمالها اياه ، و استراحتها من أذاه والمجادها مناها ، وبلوغ منتهاها ، وأنه لا سبيل لها إلى البقاء السرمدي الذي لا يزول ولا يتغير إلا بعله مفارقة الجسد المستحيل الذي هو سبب الانتقال والزوال و التغيير من حال الى حال.

Page 63

الفصل الأول

وضع الجنين لا يكون إلا بعد تمام آلته ، وحصوله على صورته وان الولادة هي سعادة له وبركة عليه إذا وصل بها إلى هذه الدار الواسعة ، وشاهد هذه المحسوسات المرئيات . وان بين هذه الدار وبين الرحم الذي كان فيه وتأسف عليه عند مفارقته إياه درجة عظيمة ومنزلة رفيعة . فلما بان له ذلك تمى لو لم يكن في الرحم تلك المدة المقدرة لكونه لم يمكث هناك الا لتكمل له صورة ينتفع بها في دار الدنيا بعد الولادة -كذلك النفس ما دامت في دار الدنيا فان المراد منها أن تكتسيه بأفعالها الحسنة وأعمالها الصالة صورة تنتفع بها إذا فارقت هذا العالم الفاني والمحل الجسماني . فان فانها ذلك انعكست في المنقلب وعادت إلى سوء الطلب وقالت :

Page 65

تعمل قد خيژوا أنفسهم و عنهم ما كانوا يفتونه ،وهيهات چيل بينهم وبين ما يشتهون يوم لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرة». . وقد صح بالبرهان أن الموت حكمة ورحمة. وفيما بيناه وشرحناه في رسالة حكمة الموت كفاية ، فاقنع توفق ان شاء الله تعالى .

Page 66

الفصل الثاني

عنوا إن العقل صورة النفس و تمامية له ، وانها هيولي له لقبولها آثاره وإشراقها بنوره . فهو مودعها صورة التيام ومبلغها درجة الكمال .

فيه ، والنفس ميلها إلى الطبيعة تظل عليها سبلها إذا أقبلت عليها وتخلت عن العقل فتكون حينئذ مظلمة .

محجوهرها و عنصر العناصر ومعنصرها، والنفس بالنسبة اليه وكونها عنه عرض منه ، وجوهر بالنسبة إلى غيرها ، وغيرها جوهر بالنسبة إلى غيره مما دونه ،

Page 67

المحض الذي لا كدر فيه ولا كثافة تلحقة وعي بالجسماني النفس بالنسبة إلى العقل لاتحادها بالأجسام و میلها إلى الطبيعة والنفس روحانية بوجه اقبالها على العقل ، وجسمانية بوجه اقبالها على الطبيعة .

النفس ، وبالقبض قبض النفس ما تستفيده منه وافادتها من دونه وقبضه عنها وأخذه منها .

الجود من الواحد المعبود لا إله إلا هو ، فهو سبب وجود كل موجود.

Page 68

بالمكان النفس إذ كانت مكانة يلقي اليها فيه العقل من فوائده وعند تلقيها ذلك منه واتساعها له فتكون هي المكان وهو المتمكن وهو الزمان وهي المتز من .

لعمارتها وحياة عالمها ، وبالآخرة العقل إذ هو دار الحياة ومقر الرحمن ومكان أهل الدنيا منه رجوعهم إلى الآخرة. وانصراف النفس إلى العقل ورجوعها اليه .

ومعاد النفس ، لأن اليه عودتها وقت استفادتها وقبول مادتها ، والذي قال الظاهر والباطن ، فانما عنى بالظاهر العقل لظهور آیاته وبيان موجوداته ، والباطن النفس البطون جریان قواها ، وكذا روحانيتها في بواطن المحسوسات ، وخفايا الجسمانيات ، ولطائف الطبيعيات . فهذا البيان واضح البرهان وقد اتفقت عليه أقوال الحكماء في مقاصدها وأغراضها و اختلفت في لغاتها وأقوالها وألفاظها .

Page 69

الفصل الثالث

وقعا على الأصلين الطيفين في العالم العلوي، فقد كان باز انهما الناطق والامام في العالم السفلي ، ولذلك قالت الحكاء ونطقت العلماء ، بما هو ظاهر بالحس ، وموجود باللمس ، من كثيف ولطيف ، ورطب ويابس ، وخفيف وثقیل ، وحي وميت ، وزائدہ و ناقص ، وجامد و نام ، وناطق وصامت ، وذكر وانی . و كل هذا إشارة إلى النفوس الجزئية والأجسام الطبيعية التي دون فلك القمر في عالم الكون والفساد ،

والطبيعة هي النفس الكلية العاقلة للعقل الكلي ، والنفوس الجزئية هي العاقلة للعقل الجزئي ، وقوى الطبيعة لها كالنفوس الجزئية ، فاذا اقبلت النفوس فيض النفس الكلية بوساطة الأفلاك العالية وتبعت المرسلين المؤيدين لها من الملائكة ، ارتقت من محل رتبة الجزء إلى فسحة الكل ، واتصلت

Page 70

النظر عنه خاسئا وهو حسير . وأما الآيات والوقوف عليها ليلا ونهارا في الأرض والسموات فقد قيل : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وأقبلتم على اللذات الجسمانية والشهوات الطبيعية حتي سلبت منكم الآلات ، وأخذت منكم المطايا ، وبقيتم في ظلات التيه ، ثم جئتمونا يوم القيامة في اليوم الموعود والوقت المعلوم ، فرادي كما خلقناكم أول مرة ، ما نرى معكم من شفعاء فيشفعوا لكم ولا أفعالا صالحة ، أو اعمالا زكية ، فيزول عنكم العذاب الأليم ، فعند ذلك يقولون با ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ؟ قيل لهم أو لم تعمر کم ما يتذكر فيه من تذكر ، وفيه عبرة لمن أعتبر ، وعملي لمن أراد أن يعمل صالحا أو اراد شكورة.

الأجسام البالية التي قد صارت ترابة ؟ إن الله سبحانه وتعالى خاطب أولي الألباب ، و كل من يقبل الخطاب ويرد الجواب . فأين يذهب من يكذب بهذا البرهان ؟

الفتنة وعليك أن لا تصغي إلى هذه الفئة المالكة الضالة المضلة أنت وجميع اخواننا حيث كانوا في البلاد، إنه رؤوف جواد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

Page 71

الفصل الرابع

وهو حي ، عالم ، طائع لباريه ، خلقه ربه جلی ثناؤه تامة كاملا ، وجعل الخلائق داخلون فيه بأجمعهم فهو جملتهم وليس خارج العالم شيء آخر لا خلاء ولا ملاء ، وليس العالم في مكان ، و كلما فيه في مكان موكل كل واحد منه بالمكان اللائق به ، حسب وما يوجد ما يمكنه فيه ومنه وعليه وما به وما يأتي منه و كل ذلك في الأمكنة وبتقدير الأزمنة ، وان منه وفيه ومو كل به ملائكة الله عز وجل ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وكل في فلك يسبحون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون كما حكى الله عز وجل عنهم :

Page 72

Jāmiʿat al-jāmiʿa | Usul