هذا أسلوب العرب في كلامهم، سواء فيه الفعل والاسم، والمبتدأ والفاعل، وهو كما ترى أقرب وأوضح، وأكشف عن سر العربية وروحها.
واعلم أن من العرب من يجعل المطابقة في العدد مثل المطابقة في النوع؛ يلتزمها - تقدم المسند إليه أو تأخر - وأولئك هم الطائيون وبلحارث بن كعب
4
ويسميها النحاة لغة «أكلوني البراغيث»، وابن مالك يسميها «لغة يتعاقبون فيكم ملائكة».
5
وأنا أرجح أن تلك المطابقة العددية، وشمولها كل مسند، كانت الأصل في العربية، ثم خصصت بالمسند إذا تأخر فإنه يحتاج إذن أن تكون فيه إشارة إلى المسند إليه المتقدم، وبقي من مطابقة المسند إذا تقدم أثر كبير في لغات اليمن، وأثر نادر في لغات سائر العرب. ومنه أمثلة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف، وفي شيء من أشعار المضريين.
هذه أبواب الرفع الثلاثة: المبتدأ، والفاعل، ونائب الفاعل، اضطرد فيها الأصل الذي قررنا، وأغنانا عن تكثير الأقسام، وتعديد الأبواب، وعن فلسفة العامل، وشغب الخلاف، وجعل الحكم النحوي أقرب إلى الفهم، وأدنى إلى روح العربية ولا يخرج عن هذا الأصل من المرفوعات إلا بابان أحدهما المنادى في بعض حالاته؛ مثل: يا أحمد ويا رجل، والثاني: منصوب إن وأخواتها.
المنادى
فأما المنادى فليس بمسند إليه ولا بمضاف، فحقه النصب على الأصل الذي قررناه، وهو منصوب في كل أحواله إلا حالة واحدة يضم فيها، وهي أن يكون - كما يقول النحاة - «علما مفردا أو نكرة مقصودة»، ولهم في تعريف كلمة «مفرد» اصطلاح خاص بهذا الباب لا يخلو من الاضطراب.
6
Unknown page