73

Humum Muthaqqafin

هموم المثقفين

Genres

وننتقل الآن إلى أمثلة تطبيقية لهذه الفلسفة الجمالية التي عرضناها، وأول مثل أسوقه هو تمثال أجمع رجال الفن على تقديره، ألا وهو تمثال نفرتيتي المعروف، فأين سر جماله؟ أهو في كونه كتلة من الحجر الجيري؟ أم هو في المعاني الكامنة وراء ملامحه؟ ألا ترى سر جماله هو في طائفة كبيرة من المعاني والقيم تتزاحم عليك وأنت تتأمله، منها هذه الأنفة التي تترفع عن ظواهر الخلاعة والاستهتار الرخيص، ولكنها أنفة تجيء في هدوء، صادرة عن نفس مرسلة على سجيتها، فلا تكلف فيها ولا تصنع، إن في الوجه قوة روح ومضاء عزيمة وإرادة، لعلهما نابعان من وضوح ملامحه ومن بروز عظام الخدين والذقن، ولكنه وضوح تنبسط فيه الأسارير ولا تتجهم؛ فالجبهة مشرقة، والفم رقيق باسم في هدوء وفي وداعة، والعنق طويل يوحي إليك بالرشاقة المصاحبة لجلال العظمة الآمرة المسيطرة، فهل في وسعك أن تنظر إلى رأس نفرتيتي نظرة فيها ابتذال أو سخرية؟ هل في وسعك أن تنظر إلى هذا الرأس ولا يرتسم في خيالك الوجود الذكي اليقظ الواعي المرهف الحساس؟ هل في وسعك أن تنظر إليه ثم تشعر بالعبث والتفاهة والفوضى؟ لا أظن ذلك، وكل ما سيطوف بذهنك وأنت تنظر إليه متأملا هو صفات مما ننسبه للكائن الإلهي في سموه وسمائه، وما يتشوق الإنسان إلى محاكاته فيها، وذلك هو الجمال الحق بالمعنى الذي أراده أفلوطين كما فهمناه وشرحناه.

ونسوق مثلا آخر من روائع الأدب العالمي: الكوميديا الإلهية لدانتي، فأي شيء ندرك حين ندرك فيها جمالا؟ أهو مجرد الارتحال في أرجاء الجحيم وفي الأعراف ثم الفردوس؟ أم هو النفاد خلال تفصيلات الرحلة إلى ما يكمن وراءها من روح ومعنى؟ إن رحلة دانتي في قصيدته الكبرى هذه تبدأ بأن يجد نفسه ضالا في غابة مظلمة لا يهتدي فيها إلى مسلك يخرجه منها إلى حيث الفضاء والنور، إلا إشعاعا ضئيلا يتسلل إليه خلال ثغرة فيها، فيسرع على هداه لعله ينجو قبل أن يغرب، لكنه لا يلبث أن يجد وحوشا ثلاثة تسد عليه الطريق: ذئبة وأسدا وفهدا، فيرتد إلى الظلام يتخبط فيه من جديد، إلى أن يصادف فرجيل فيطلب منه الأخذ بيده إلى طريق النجاة، لكن فرجيل يبين له أن طريق الخلاص طويل تكتنفه الصعاب، فلا بد له أولا من اجتياز درجات الجحيم كلها قبل أن يصعد إلى الأعراف حيث يتطهر، وعندئذ فقط يستطيع الصعود إلى الله. لكن هداية فرجيل تنتهي عند الأعراف، وسيتولى هدايته بعدئذ إلى الشهود الإلهي روح حبيبته بياترتش.

ذلك هو المخطط العام للرحلة، لكن المتأمل في تفصيلات القصيدة وفي طريقة بنائها، سرعان ما يجد نفسه قد سما إلى منزلة روحانية لعلها هي المنزلة التي أرادها الشاعر لنفسه وللناس، وفي هذا السمو إلى مرتبة الروح سر جمال الكوميديا الإلهية، فما الغابة المظلمة التي وجد نفسه فيها إلا حياة الخطيئة والرذيلة والشر التي عاشها الشاعر وهو بعد بين الأحياء على وجه الأرض، وما الضوء الذي تسلل إليه وأغراه بمحاولة الخلاص إلا قبس من الله، لكن أين المفر والوحوش الثلاثة تسد عليه الطريق؟ وهي رموز مأخوذة من سفر أرميا لترمز إلى الرذايل الأساسية الثلاث كما أوردها أرسطو، وهي رذيلة الجشع حين تنحرف الغريزة، وهذه هي الذئبة، ورذيلة الضراوة والافتراس حين تنحرف شجاعة القلب عن حدها المعقول، وهذا هو الأسد، ثم رذيلة الغش والخداع حين ينحرف الذكاء عن طريق الخير إلى حيث المكيدة والغدر، وهذا هو الفهد. فلما أن التقى فرجيل به ليهديه، كان رمزا لما ينبغي للخلف أن يتمسك به من تراث السلف؛ فعلى هداية أسلافنا نستطيع أن نشق طريقنا إلى مستقبل مرجو مزدهر. كما يرمز كذلك فرجيل إلى حكمة العقل؛ ولذلك فلن يهديه هذا الحكيم العاقل إلا إلى حد محدود، وهو الخروج من الجحيم إلى حيث الأعراف. وأما الطريق من الأعراف إلى الله فتلزم لها هداية من نوع آخر غير حكمة العقل؛ يلزم لها الحب، ويلزم لها القلب، ويلزم لها الإيمان؛ ولذلك فالهداية عندئذ متروكة لمن ترمز عند دانتي إلى الحب والقلب والإيمان؛ إذ هي متروكة لبياترتش بعد أن فرغ «العقل» (أي فرجيل) من مهمته إلى آخر حدودها المستطاعة.

وماذا أقول لك في مرامي هذه القصيدة الكبرى، إلا أن تقرأها مشروحة لترى بنفسك كيف يكمن سر جمالها في الصعود بك وراء تفصيلاتها الظاهرة إلى حيث الوجود الإلهي الخالص وذلك هو مكمن الجمال في كل شيء جميل، على مذهب أفلوطين.

الصراع المشروع

كان من حسن حظي أن احتفلت بريطانيا بنابغتها في فن النحت «هنري مور» لبلوغه الثمانين من عمره، أثناء وجودي هناك في صيف هذا العام (1978م)، وكنت قبل ذلك قد قرأت قدرا لا بأس به عن هذا الفنان المعاصر، الذي يقال عنه إنه أعظم المعاصرين جميعا في مجال النحت، وكنت كذلك قد رأيت صورا لبعض قطعه النحتية، لكن الصور قلما تنبئك عن حقائق الأشياء المصورة، فما بالك بفن النحت الذي قد يجعل لمس الأصابع لاستدارة الحجر أو البرونز جزءا هاما من مصدر النشوة الفنية بالقطعة المنحوتة!

ولعلك لاحظت أني استخدمت في الفقرة السالفة عبارة «القطعة النحتية» بدل كلمة «التمثال»؛ وذلك لأن كلمة تمثال قد توحي بأن القطعة المنحوتة «تمثل» كائنا ما، كأن تنحت على هيئة فارس يركب جوادا، أو امرأة تحمل جرة أو غير ذلك، لكنك في فن النحت عند هنري مور تحاول عبثا لو حاولت أن تجد مثل هذا «التمثيل» اللهم إلا استثناءات قليلة ك «قطعة الملك والملكة»، ومع ذلك فهو حتى في هذه الاستثناءات القليلة لا يعبأ بالتفصيلات، بقدر ما يهتم بالطابع العام الذي يوحي.

وكانت طريقتهم في الاحتفال بالفنان العظيم، هي أن يقيموا آثاره الفنية في كبرى الحدائق؛ إذ تتميز تلك الآثار بضخامة حجمها ضخامة تستلزم أن تقام في مساحات فسيحة لتبرز خصائصها، ولقد كنت هذا الصيف أقضي عدة ساعات كل يوم، مشيا في حدائق لندن (كجزء من العلاج الطبي) وبصفة خاصة حدائق كنز نجتون؛ حيث كانت منتجات هنري مور البرونزية مقامة، على أبعاد بعيدة بين القطعة والقطعة، حتى لا تتزاحم فتفقد شيئا من تأثيرها على الرائي، فكنت كلما صادفت واحدة منها، وقفت عندها طويلا، أنظر وألمس وأتأمل لعلي أكشف لنفسي عن بعض سرها.

إنني لا أثق بنفسي كل الثقة في نقد الفنون - والفنون المعاصرة بوجه خاص - حتى لكثيرا ما أتمنى أن يكون إلى جواري ناقد خبير، ليبين لي مواضع الإبداع فيما أرى، ومع ذلك فمنذ أعوام طويلة لم أفوت فرصة واحدة تسنح لي، إلا وقفت أمام اللوحة أو أمام القطعة المنحوتة أحاول جهدي أن أفهم ما استطعت إلى الفهم سبيلا؛ لأني كنت دائما أحس بأن شيئا ما يجذبني إلى مبدعات الفن المعاصر، لعله - على الأقل - ما كنت أراه في تلك البدائع من استقلال الفنان عن الأشياء الخارجية؛ فهو لم يجئ ليقدم لنا نسخة مما هو كائن بالفعل، وإذا هو فعل ذلك فماذا تكون قيمته؟ إنما هو يقدم شيئا جديدا كل الجدة، لا هو «صورة» الشيء ولا هو «تمثال» لأحد ... وأعود إلى هنري مور وعجائبه التي وقفت عندها في حدائق لندن هذا الصيف ما سر إعجازها الفني؟ إن القطعة منها - لو تأملتها - وجدتها مؤلفة من كتل وليست هي كتلا من نوع واحد؛ فهذا عمود، وذلك منقار، وهناك كرة في قناة، وهكذا، كلها في حجم كبير، تلاصقت على نحو ما، وتمعن في التأمل، فتشعر شعورا قويا بأن تلك الكتل المتلاصقة ليست بالنسبة لبعضها البعض موضوعة في تجاور سكوني ميت، بل هي تبدو وكأنما يضغط كل منها على الآخر، وينضغط به ... نعم، إنها تبدو وكأنها تدفع إحداها الأخرى دفعا لتزحزحها من مكانها، لكنها بدورها تندفع وتتلقى الضغط مما يجاورها، مما يشيع فيها إيحاء بالتوتر الموثب والفاعلية، ولكن برغم هذا التفاعل المتوتر الذي يسري بينها كأنما هي قد دخلت في عراك صامت بعضها مع بعض، فإنك إذا ما أمعنت النظر فيها مرة أخرى، أيقنت أن هذه المجموعة المتزاحمة من الكتل المتباينة شكلا وحجما، مشدود بعضها إلى بعض برباط خفي قوي، يجعلها بمثابة أفراد الأسرة الواحدة يتقاربون بصلة الرحم حتى لو باعدت بينهم الطبائع والميول؛ فهنالك نقطة التقاء تدركها البصيرة النفاذة وقد لا يستطيع الحس أن يحدد مكانها.

وها هنا لمعت في رأسي لمحة مضيئة كأنها الومضة الخاطفة، نطقت معها قائلا: ألا إن هذا هو الصراع المشروع بين أبناء الأمة الواحدة وقد تجسد أمامي في هذا الفن النحتي العجيب؛ فنحن إذا ما طالبنا هؤلاء الأبناء أن يسالم بعضهم بعضا، فلسنا نريد لهم أن يتحولوا إلى أجساد مشلولة، تتحرك في ضعف وصمت وموات، كأنها أطياف على سطح مرآة! بل نريد لهم مثل هذا التوتر الحي المتوثب؛ فكل فرد يؤثر ويتأثر، يفعل وينفعل، يضغط وينضغط، يرى الرأي ويعلنه فيجيئه التأييد من هنا والتقيد من هناك، ومع ذلك يكون بين الأفراد المتصارعة ما بين الأجزاء المختلفة المكومة لقطعة النحت في فن هنري مور، وأعني أن يكون بين هؤلاء الأفراد رباط خفي قوي، يستحيل معه أن نتصور الأجزاء وقد تناثرت أشتاتا وكأنها ذرات الهباء في العاصفة!

Unknown page