Hayat Masih
حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث
Genres
أما المؤرخ الروماني تاسيتس الذي كتب تاريخه حوالي سنة (115 ميلادية)، فأقدم ما ذكره عن السيد المسيح لا يرجع إلى أقدم من سنة أربع وستين ميلادية، ولم يذكره مباشرة، بل أشار إلى اسمه في سياق الكلام على حريق رومة، حيث قال إن الإمبراطور نيرون أقلقه اتهام الناس إياه بإحراق المدينة، فألقى التهمة على طائفة العامة الذين يسمون بالمسيحيين، وينسبون إلى المسيح الذي حكم عليه بونتياس بيلاطس بالموت في عهد القيصر طيبريوس.
ولا يعرف الآن علام استند تاسيتس في رواية هذه النسبة، ولكنها كانت على كل حال رواية شائعة بين أناس كثيرين لم يشهدوا عصر المسيح.
وكذلك لم يذكر سويتنيوس خبرا مباشرا عن السيد المسيح، ولكنه قال في تاريخه للقيصر كلوديس: «إنه نفى من رومة جماعة من اليهود الذين كانوا على الدوام يثيرون المتاعب بتحريض كريستس.» وكتبها هكذا باللاتينية
Chrestus ؛ لأن الاسم التبس عليه بين كريستس بمعنى الطيب، وكريستس بمعنى المسيح.
وأيا كان مستند هذا المؤرخ فلا يستفاد من روايته إلا أن العاصمة الرومانية كان فيها أناس يعرفون باسم المسيحيين عند منتصف القرن الثاني للميلاد، وأنه كان يحسب أن الزعيم كرستس كان يحرض أتباعه بنفسه في ذلك التاريخ.
وقد عاش في عصر السيد المسيح نفسه كتاب ومؤرخون من اليهود، مثل الفيلسوف فيلون، الذي سبق ذكره، والمؤرخ جستس الطبري الذي عاش في الجليل أيام الدعوة المسيحية، وكتب تاريخ قومه عن عهد موسى إلى نهاية القرن الأول للميلاد، ولم ترد في تاريخه إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى الدعوة المسيحية.
تلك خلاصة الحجة التي تقوم على خلو التواريخ من ذكر الدعوة المسيحية في عصرها.
أما الحجة الأخرى، وهي حجة التشابه بين القصص المروية عن السيد المسيح، والقصص المروية عن الأرباب في العبادات الشرقية القديمة؛ فهي تعتمد على تفصيلات كثيرة تحيط بأخبار المعجزات والشعائر في ديانات الأقدمين من المصريين والبابليين والفرس والهنود والكنعانيين، وأكثر النقاد المتشبثين بهذه الحجة من علماء المقابلة بين الأديان المطلعين على أديان المشرق في لغاتها، ويغلب عليهم ترجيح القول بأن أخبار المسيح بقية من بقايا الديانات الشمسية يدل عليها عدد «اثني عشر» الذي يشير إلى البروج، ويشير إلى عدد التلاميذ، ويدل عليها الاحتفال بالميلاد في يوم الاعتدال الخريفي على حساب الأقدمين، والاحتفال بيوم الأحد الذي اعتقدوا قديما أنه يوم الشمس، ويعرف حتى اليوم في اللغات الأوربية بهذه النسبة، وذلك عدا المشابهة في اسم الأم، والولادة في المذود، وركوب «الحمار ابن الأتان»، وغير ذلك من الشعائر والمعجزات.
والغريب في شأن هؤلاء العلماء أنهم لم يكلفوا أنفسهم تفسيرا مقبولا لوجود المسيحيين بهذه الكثرة بعد جيل واحد من عصر الميلاد، فإن التفسيرات التي فرضوها تتسع لشكوك كثيرة كلها أغرب من القول بشخصية المسيح التاريخية، ولا يكفي أن يقال إن أخبار المعجزات والشعائر قديمة لتفسير الدعوة المسيحية بغير داع، وبغير محور معلوم تدور عليه، وقد توفي بولس الرسول في نحو سنة سبعة وستين ميلادية، وعاش قبل ذلك نحو ثلاثين سنة يبشر باسم المسيح، ولم يكن قد طال العهد بتاريخ الدعوة، ولم يحدث خلال ذلك ما يفسر تكوينها من المعجزات والشعائر التي ظلت قبل ذلك مئات السنين متواترة على الألسنة ، وكان تواترها قديما أقوى وأشيع من تواترها بعد تقادم العهد وتتابع السنين.
وكل ما يفهم من سكوت المؤرخين المعاصرين على سبيل الجزم أن المؤرخين لم يدركوا خطرها، ولم يميزوها من الحركات المتفرقة التي كانت تختلج بها طوائف اليهود على صفة عامة، ويعزز هذا أن الطائفة الجديدة لم تذكر باسم خاص في الأناجيل جميعا غير ثلاث مرات، فذكر أتباع السيد المسيح باسم المسيحيين في الإصحاح الحادي عشر من أعمال بولس الرسول، حيث قيل إن التلاميذ دعوا «مسيحيين» لأول مرة في مدينة «أنطاكية»، ثم جاء في الإصحاح السادس والعشرين على لسان الملك أغريباس أنه قال محتجا: «أهون بما تقنعني به أن أصير مسيحيا.» وجاء في الإصحاح الرابع من رسالة بطرس: «إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم ... إن أحدكم لا يتألم لأنه قاتل، أو سارق، أو فاعل شر، أو صاحب فضول، فإن تألم لأنه مسيحي فلا يخجل.»
Unknown page