Hasad Falsafi
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
Genres
6
وبذلك أكد ديكارت صيحة بيكون - المبشر بالمنهج التجريبي في العصر الحديث - الذي نادى بأن المعرفة قوة يجب إخضاعها لمنفعة الإنسان وفائدته، ودعا إلى استخدام الملاحظة والتجربة لمعرفة قوانين الطبيعة من أجل السيطرة عليها، وممارسة السلطة على الأشياء والسيادة على العالم لتحقيق سعادة البشرية.
هكذا صاغ ديكارت في مستهل العصر الحديث نموذجا معرفيا عقليا تزامن مع نشأة العلم الحديث، وتأسيس مناهج دقيقة للسيطرة العلمية على الطبيعة بفضل جاليليو وكبلر وغيرهما لإقامة علم طبيعي رياضي، ثم جاء إسحاق نيوتن الذي كان له الفضل في تفسير قوانين كبلر، ووضع أهم كتبه «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» عام 1687م الذي تعود أهميته في تاريخ الفلسفة إلى أنه كان بداية انفصال العلم الطبيعي عن دائرة العلوم الفلسفية على عكس ما يوحي به العنوان. وانحصرت فلسفة الطبيعة منذ ذلك التاريخ في فرعين من فروع الدراسات الفلسفية: أحدهما فلسفة العلم الذي قصر اهتمامه على دراسة المناهج والمفاهيم والنظريات العلمية، والآخر علم الجمال الذي اختزل الطبيعة في إطار التجربة الفنية والجمالية، دون أن يركز أي منهما على مفهوم الطبيعة ذاته. بينما تحولت علوم أخرى مثل السياسة والأخلاق والاجتماع إلى الاهتمام بدراسة البيئة الاجتماعية دونما اهتمام بالبيئة الطبيعية.
أما على مستوى العلم الطبيعي الذي تطور بصورة هائلة في خط مستقيم بدءا من الثنائية الديكارتية - التي أعلت من شأن العقل - فقد كان هذا إيذانا باختفاء المفاهيم الكيفية للطبيعة التي طالما تغنى بها جوردانو برونو، وبداية اتفاق غير معلن على أن ما يمكن التعرف عليه هو ما ينتج رياضيا فحسب، وأن ما يفهم بشكل آلي هو فقط المفهوم عليا، وحجبت القوانين الآلية للعلم الطبيعي والميكانيكا الكلاسيكية في القرن الثامن عشر العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة، وأصبح العقل الإنساني نفسه هو المشرع لقوانين الطبيعة عند كانط، وارتبطت النزعة الآلية الطبيعية ارتباطا وثيقا بالتقنية، ولكن هذه الآلية زادت الطبيعة فقرا، فقد وقف العلم «عاجزا عن تفسير الطبيعة بمصطلحات العلل الغائية.»
7
وصار العلم والتقنية اللذان تطورا منذ بدايات العصر الحديث والثورة الصناعية «غريبين غربة تامة عن خصائص الطبيعة، وعن معناها الحقيقي، كما أن الفكر الحسابي الذي يتجه إلى تكميم كل شيء قد حجر وشيأ كل شيء لمسته يداه»،
8
ومما لا شك فيه أنه قد تم منذ عصر التنوير تجريد الطبيعة من سحرها وبلغت ذروة هذا الجريد في عصرنا الحاضر.
ثبت عصر التنوير فكرة أساسية مفادها أن الإنسان هو محور الكون، وهي الفكرة التي ورثها من العصر المسيحي الوسيط، وعلى الرغم من أن عصر التنوير قد ثار على الفكر الديني، وحاول أن يتحرر من أسره، إلا أنه استبقى الفكرة التي تقر بأن للإنسان وضعا خاصا بين المخلوقات الأخرى في الطبيعة. لقد رسخت الديانة المسيحية في الأذهان أن الله خلق البشر على صورته ليكونوا حالة خاصة بين الكائنات الأخرى غير الشبيهة بالله. وأكدت الديانة الإسلامية أيضا هذا التميز للإنسان على سائر المخلوقات الأخرى في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .
Unknown page