Hakadha Takallam Zaradusht
هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل ولا لأحد
Genres
ما أوردت هذا المثل إلا لكم وعنكم يا أبناء الخبث، وقد أرهقكم إحساسكم لطلب المعرفة الصافية، وما أنتم في نظري إلا عبيد الملذات؛ لأنكم أنتم أيضا تحبون الأرض وما عليها ومنها. لقد عرفت طويتكم فإذا في حبكم ما يخجل وما يفسد الأخلاق، فما أشد شبهكم بكوكب الليل!
لقد أقنعوكم بأن تحتقروا كل ما ينشأ من التراب، ولكن هذا الإقناع لم ينفذ إلى أحشائكم، وأحشاؤكم هي أقوى ما فيكم، وهكذا أصبح عقلكم خجلا من سيطرة أحشائكم عليه، فهو يتبع الطرق الخفية المضللة فزعا من خجله. أنصتوا إلى مناجاة عقلكم لنفسه فهو يقول: ليت لي أن أرتقي إلى حيث أنظر إلى الحياة محررا من الشهوة، فلا ألهث أمامها ككلب يدلي لسانه وقد شفه السغب من شهوته.
ليت لي أن أسعد بالتأمل متفوقا على إرادتي متحررا من خساسة الأنانية ومطامحها؛ فيسود علي السلام ولا يبقى لعيني سوى لحظات القمر الثملة.
إن عقلكم يطلب التملص من ذاته؛ لأنه طريد يشتهي أن يتعشق الأرض كما يتعشقها القمر فلا تتمتع إلا عيونكم بجمالها.
إن المعرفة الطاهرة لا تحتل عقولكم ما لم ينبسط أمام الأشياء دون امتلاكها مكتفيا بانعكاس أشباحها عليه كما تنعكس الأشباح على مرآة لها مئات العيون.
أيها الخبثاء المتحرقون بالشهوات، لقد خلت شهوتكم من الطهارة؛ فلذلك تجدفون على الشهوة، فأنتم لا تحبون الأرض كما يحبها المبدعون والمجددون الذين يسرون بما يبدعون وبما يجددون، فلا طهارة إلا حيث تتجلى إرادة الإبداع، فمن اتجه إلى خلق من يتفوق عليه فذلك عندي صاحب أطهر إرادة وأنقاها.
طلبت الجمال فما وجدته إلا حيث تنصب الإرادة بأكملها إلى المراد، وحيث يرتضي الإنسان بالزوال لتجديد الصور وتبديلها، فالمحبة والموت صنوان متلازمان منذ الأزل، فمن أراد المحبة فقد رضي بالموت. هذا ما أقوله لكم أيها الجبناء.
ولكن نظراتكم المنحرفة المؤنثة تحب الاستغراق في التأمل، فتريدون أن يدعى جمالا ما تحدجونه أنتم بعين الحذر والجبن، إنكم لتدنسون أشرف الأسماء.
إن اللعنة التي تحل بكم، أيها السائرون، وراء المعرفة الطاهرة إنما هي عجزكم عن التوليد في حين أنكم تلوحون كالحبالى المثقلات على الآفاق.
إنكم تحشون أفواهكم بأنبل الكلمات لإيهامنا بأن قلبكم يتدفق عطفا، وما أنتم إلا منافقون.
Unknown page