التعددية : إن التعددية، بما فيها من تأكيد للطابع «الفردي» للأشياء، بدلا من الطابع «الكلي» (كما تفعل الواحدية )، وبدلا من التقابل «إما ... وإما» الذي تؤكده الثنائية، ترتكز كذلك على موقف وثيق الصلة بالتجربة. غير أن هذا الاتصال الوثيق بالمجال التجريبي يختلف عن ذلك الذي نجده في الثنائية. ذلك لأن التعددية، بدلا من أن تتخذ نقطة بدايتها من المقولات التي يبدو أن موضوعات التجربة وحوادثها تندرج تحتها، تتخذ من الموضوعات والحوادث ذاتها أسسا. ذلك لأن هذه المدرسة ليست فقط أقل اهتماما بالمبادئ والكليات والتجريدات من النظرتين الأخريين إلى العالم - إذ إن التعددي يرى أن هذه أقل أهمية قطعا من الشيء أو الحادث الفردي العيني - بل إن المبادئ والمقولات لا تكون لها أهمية في نظر التعددي إلا بوصفها وسيلة لتفسير الأشياء والحوادث الفردية أو للربط بينها.
ولعل أوضح دليل على اهتمام التعددية بواقعية الشيء الفردي العيني وأهميته، هو نظريتها في العلاقات الخارجية، التي عرضت من قبل بإيجاز في هذا الفصل. ففي نظر صاحب المذهب الفرداني، الذي يؤكد أهمية الكل أو المطلق، تكون للعلاقات بين أجزاء الكل أكبر الأهمية: فهي التي تجعل الجزء، سواء أكان موضوعا أم حادثا، على ما هو عليه. أما التعددية الحديثة فتنظر إلى واقعية العلاقات ودلالتها على أنها ثانوية تماما بالقياس إلى الواقعية الأساسية للموضوعات العينية والحوادث في ذاتها، التي يمكن (في رأي التعددي) أن تدخل في العلاقات وتخرج منها دون أن يطرأ عليها تغير، ودون أن تفقد استقلالها الأساسي.
وهكذا فإن الجاذبية الكبرى للتعددية تكمن في اعترافها الكامل بواقعية التجربة الفعلية وامتلائها وثرائها. والواقع أن أي مذهب فكري لا يباري التعددية الحديثة (كما تتمثل في وليام جيمس مثلا) في هذا الصدد. وكما أن الفردانية تجتذب نوعا معينا من الأذهان المنطقية الصارمة، التي تكون للوحدة والترابط أهمية عظمى في نظرها، فكذلك تجتذب التعددية تلك الأذهان التي يعجبها ثراء التجربة البشرية العينية وتعقدها، والتي تجد تحديا هائلا في الإمكانات العديدة التي تتيحها هذه النظرة الدينامية إلى العالم.
أما نقاط ضعف المذهب التعددي فهي الوجه المقابل لمزاياه. ذلك لأننا لا نستطيع أن نتوقع من نظرة إلى العالم تولى مثل هذه الاهتمام لواقعية الأشياء الفردية وأهميتها، أن تكون متصفة بمنطق محكم أو تماسك عضوي. والواقع أن تعدديين قلائل جدا منذ أيام ليبنتس وباركلي (وينبغي أن نلاحظ أن كليهما مثالي) هم الذين حاولوا صياغة مذهب كامل في الميتافيزيقا، بل إنهم في عمومهم قد اكتفوا، مثل جيمس وغيره من التعددين البرجماتيين الآخرين، ببحث مشكلات خاصة في نطاق الفلسفة، كمشكلة مناهج البحث العالمي ونظرية الحقيقة. ومما يثبت إمكان قيام مذهب ميتافيزيقي تعددي، ما قام به الفيلسوفان اللذان أشرنا إليهما منذ قليل، اللذان كانا من الأفراد الأسبق عهدا في هذه المدرسة، ولكن لم تظهر حتى الآن صياغة حديثة كاملة لوجهة النظر هذه في عالم الفلسفة.
الفصل الحادي عشر
التجريبية المنطقية
لا شك أن العرض الذي قدمناه للنظريات الميتافيزيقية الرئيسية في الفصلين السابقين قد ترك في نفوس القراء تأثيرا متباينا. ومع ذلك فمن المؤكد أن مجموعة من القراء كان لها رد فعل ذو دلالة خاصة؛ إذ إن رد الفعل هذا يقترب من الموقف الذي تتخذه مدرسة فلسفية معاصرة قوية إزاء كل تأمل ميتافيزيقي. هذه المدرسة، التي تعرف باسم «الوضعية المنطقية» أو التجريبية المنطقية، ربما كانت أكثر المذاهب التي ظهرت في الفلسفة تجديدا وعدوانية من الناحية العقلية.
1
ولقد كان تأثيرها في المذاهب التقليدية هداما، وأدى الصراع بينها ويبن المدارس الكلاسيكية إلى جدل أقوى مما حدث في أي صدام سابق في الفلسفة. وقد امتد تأثير هذه الحركة التجريبية حتى تغلغل بعمق في الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والمنطق والأخلاق. وكانت النتيجة تحليلا ذاتيا ونقدا باطنا في الفلسفة يمكن القول بأن أفضل نظير له كان ذلك الانقلاب الذي أحدثته النظرية النسبية والنظرية الذرية الحديثة في الفيزياء. وقد حدث هذا الانقلاب الفلسفي في عهد بلغ من القرب حدا لم يهدأ معه غبار المعركة بعد، غير أن الصورة الآن أوضح مما كانت عندما هددت أولى الهجمات الوضعية التجريبية في العشرينيات والثلاثينيات بقلب الفلسفة التقليدية بأسرها رأسا على عقب. ولما كانت هذه الحركة قد أحدثت تغيرات ثورية في أساليب الفلسفة وادعاءاتها معا، فمن الضروري أن يفهم الطالب المبتدئ ذاته شيئا عن نظرياتها.
على أن تقديم عرض موجز مبسط للفكر التجريبي المنطقي ليس بالأمر الهين . وترجع هذه الصعوبة إلى تعقد المشكلات التي يتعين عرضها، كما ترجع إلى وجود خلافات وانقسامات فرعية داخل الحركة. فهناك مثلا فوارق هامة بين الوضعيين داخل القارة الأوروبية (الذين كانوا يتركزون في فينا، ولكن معظمهم انتشر في أماكن متعددة، وذهب كثير منهم إلى الولايات المتحدة) وبين المدرسة الإنجليزية، ولا سيما الجماعة المعروفة باسم مدرسة كيمبردج التحليلية. وسوف نضطر إلى الاقتصار في هذا العرض على بعض المفاهيم التي تبدو أساسية في كل تفكير منطقي تجريبي. وسيؤدي ذلك بالطبع إلى إعطاء القارئ صورة أقل من الكاملة عن تفكير هذه المدرسة، ولكنه سيتيح له أن يتذوق شيئا من مذاقها اللاذع، ويفهم السبب الذي جعل للحركة كلها مثل هذا التأثير في الفلسفة المعاصرة.
Unknown page