الاتجاه العقلي الأساسي : لنبدأ أولا بأن نتساءل: ما هو هذا الاتجاه الذهني، الذي يمكننا الاهتداء إليه لدى بعض الطلاب المبتدئين، فضلا عن بعض الفلاسفة المحترفين، والذي يدفع المرء إلى اتخاذ الموقف التجريبي المنطقي المتطرف؟ ولماذا كان السبب الرئيسي في ظهور هذا الاتجاه هو استعراض النظريات الميتافيزيقية؟ ربما كان أفضل وصف لهذا الاتجاه هو «الصرامة الذهنية»، غير أنها صرامة ذهنية تختلف عن ذلك النوع الذي رأيناه أساسيا في المذهب الطبيعي. فبينما نوع الصرامة الذهنية الذي يتميز به المذهب الطبيعي ينطوي على نظرة كاملة إلى العالم أو موقف كامل من الكون وما ينتظر الإنسان فيه، فإن صرامة التجريبي المنطقي أضيق نطاقا. فهي في أساسها معرفية لا ميتافيزيقية. وهذا يؤدي إلى جعل التجريبية المنطقية أقرب إلى نزعة الشك منها إلى المذهب الطبيعي، ما دام الشكاك، كما رأينا في فصول سابقة، يضع نظرية للمعرفة، لا نظرة شاملة إلى العالم.
ويظهر الاتجاه العقلي العام للتجريبية المنطقية أوضح ما يكون في نظريتها في المعنى. هذه النظرية، التي تعرف في المصطلح الفني باسم «نظرية القابلية للتحقيق في المعنى» ترى أن تحديد المعنى وتوصيله إلى الآخرين أساسي تماما، ليس فقط في الحديث الفلسفي، بل في كل حديث أيا كان - وليس في الحديث أو التخاطب فقط، بل وفي اكتساب المعرفة. ويؤكد التجريبي أنه لا يمكن أن تكون هناك معرفة، بخلاف التجربة الحسية المباشرة، إلا بعد أن نتأكد من معنى كل الجمل التي تصاغ في صورة جمل واقعية؛ أي جمل إخبارية. ومن المؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك اتصال في المعرفة حتى يحلل المعنى ويوضح. ومن هنا كان التحليل اللغوي والمنطقي يحتل مكانة مركزية في التجريبية المنطقية. والواقع أن من الممكن أن يطلق على هذه الحركة، بنفس الدقة، اسم «التحليلي المنطقي» أو «التجريبية التحليلية» - بل يكاد من الممكن القول إن أية طريقة للجمع بين الصفات الثلاث: «المنطقي» و«التحليلي» و«التجريبي»، تصلح للدلالة على هدف هذه المدرسة ومنهجها.
لماذا كانت المشكلات الميتافيزيقية غير قابلة للحل؟
يشعر التجريبيون المنطقيون، شأنهم شأن كثير من المفكرين الآخرين داخل نطاق الفلسفة وخارجها، بالاستياء والكدر لما يبدو من عدم قابلية المشكلات الفلسفية التقليدية للحل. ولقد اشتهر المجال الميتافيزيقي خاصة بأنه ميدان مشكلات دائمة وخلافات تدوم قرونا طويلة، ولا تقل حدتها اليوم عما كانت عليه في أي وقت مضى. ولقد كان هناك خلال التاريخ الطويل للفلسفة شكاكون يرتابون في إمكان حل هذه المشكلات بأي معنى حقيقي أو نهائي، ولكن من المعترف به عادة أن الفضل يرجع إلى «ديفد هيوم»، الذي ألف كتبه في أواسط القرن الثامن عشر، في إرساء نزعة الشك هذه على أساس عقلي دقيق بحق. وهكذا أصبح هيوم واحدا من المؤسسين الحقيقيين للتجريبية المنطقية الحالية، التي يمكن أن تعد امتدادا وتهذيبا وتطبيقا لمنهج هيوم.
ولقد كان هيوم يشترط أن تحقق كل الأفكار أو المفاهيم العامة عن طريق إرجاعها إلى «الانطباعات» (أي الإدراكات) التي تأتي منها. فإذا لم يمكن اكتشاف «انطباع»؛ أي إذا لم تتوافر تجارب إدراكية لدعم المفهوم أو تفنيده - فإنه لا يقبل ذلك التصور أبدا. والنصيحة التي يفضل توجيهها بشأن أية فكرة مجردة تفتقر إلى أساس إدراكي هي «ألق بها إلى النار!» وبالفعل نجده في خلال حياته التحليلية قد ألقى بعدد كبير من المفاهيم الفلسفية واللاهوتية الشائعة عندئذ في لهيب الشك. فلنبحث الآن كيف أخذت التجريبية المنطقية معيار المعنى كما وضعه هيوم، وتوسعت فيه كثيرا، ولا سيما في اتجاه التحليل اللغوي. (1) مشكلة المعنى
معنى «المعنى» : المشكلة الرئيسية في التجريبية المنطقية هي: ما الذي يجعل العبارة المعرفية (أي الجملة الإخبارية) ذات معنى؟ وكيف نحدد معناها، أو كيف نتحقق من ادعائها كونها واقعية؟ إن أية جملة إخبارية تبدو تعبيرا عن واقع (وتدعي عادة أنه كذلك)، غير أن نظرة واحدة إلى عدة جمل من هذا النوع تدل على أن هناك درجات أو أنواعا من الواقعية: (1)
الكتاب على المنضدة. (2)
أنا أشعر بألم ممض. (3)
العالم من خلق عقل علوي. (4)
مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة. (5)
Unknown page