وأخيرا، فإن المدنية الأمريكية، شأنها شأن مدنية أية أمة صناعية حديثة، تبلغ من التعقد والثراء حدا لا تستطيع معه تجربة أي شخص أن تستوعب إلا قدرا ضئيلا من هذا التعقد والثراء. فالتخصص المهني، بالإضافة إلى قصر الحياة البشرية وضيق نطاق الطاقة الإنسانية، يعني أن أعظم الأشخاص موهبة ونشاطا ينبغي أن يقصروا جهودهم على جزء محدود من المجال الممكن. وهذا يعني بالضرورة أن الناس من مختلف المستويات الثقافية والمهنية والاجتماعية، أو من مختلف أجزاء البلاد، لا يتحدثون لغة واحدة إلا بمعنى حرفي هو أنهم جميعا يتكلمون الإنجليزية. غير أن ما يتحدثون عنه، أو ما يعنونه بالكلمات التي يقولونها ويسمعونها، قد يبلغ من الاختلاف حدا يجعل استخدام لغة مشتركة أمرا لا يعني إلا القليل. ففي جميع أرجاء المجتمع الأمريكي، ابتداء من وزارات الحكومة الفدرالية فما دونها، يحدث في كثير جدا من الأحيان ألا تعلم اليد اليمنى ما تفعله اليد اليسرى. فلدى الأمريكيين تعددية في الحكومة، وتعددية في الطبقات الاجتماعية، وتعددية في المعايير الأخلاقية، وتعددية في التخصصات المهنية، وتعددية في الفنون (أي مدارس مختلفة في الرسم والموسيقى والدراما وغيرها)، وتعددية في الفلسفات - أو المدارس الفكرية، كما يسميها الأمريكيون عادة. وهكذا تبدو التعددية الميتافيزيقية هي المذهب الذي يعد اعتناق الأمريكيين له أقرب إلى المنطق - وذلك بالنسبة إلى التعدديين أنفسهم على الأقل. (7) حكم نهائي على المذهب التعددي
ينبغي أن يترك لكل قارئ على حدة الحكم النهائي على المذهب التعددي من حيث هو موقف ميتافيزيقي، كما اعتدنا أن نفعل في هذا الكتاب الدراسي. ولو قارنا هذه النظرة إلى العالم بالواحدية أو الثنائية، لوجدنا أنها تقدم إلينا صورة للواقع تجعله مثيرا، ديناميا، دائم التغير. فالكون في نظر التعددية يتصف أساسا بالتغير، ولو وصفنا الكون بأنه أزلي لما كان معنى ذلك أنه سكوني، أو «مقفل على ذاته»، كما يقول مذهب الفردانية. بل إن من الممكن أن يكون التغير والتنوع أزليين كالنبات فليس الكون في حاجة إلى أن يكون كلا عضويا، متجمدا على صورة «مطلق»، لكي يكون الواقع، بل إن التغير أهم في تجربتنا من الثبات، والأشياء التي لا حصر لها، والتي تتألف منها تجربتنا - أعني «الكثرة» - أهم بكثير مما يمكن أن يكون أي «واحد» متخيل.
وقد يعتقد القارئ، كما يفعل كثير من المفكرين، أن الرأي التعددي مهما كان مثيرا، فإنه لا يرضينا عقليا. وقد يكون الانطباع الذي نكونه عن صورة الواقع كما يقدمها إلينا هذا المذهب هو أنها أكثر «تخلخلا» وربما «اختلالا»، من أن تكون نظرة إلى الأشياء كما هي في أساسها، يمكن قبولها على نحو دائم. وقد نتفق مع أولئك الفلاسفة الذين يرون أن أية نظرة إلى العالم لا تستطيع أن تفرض على تجربتنا نظاما ووحدة أكثر من تلك التي يفرضها عليها المذهب التعددي، ليست مذهبا ميتافيزيقيا أصيلا. وبالاختصار فإن النظرة التعددية تبدو لأذهان كثيرة «تركيبية» (بالمعنى الشائع لهذا اللفظ) أكثر منها «جامعة»، على النحو الذي يفترض أن تكون عليه المذاهب الفلسفية. وهكذا يقال، اعتراضا عليها، إن الذهن البشري ينشد، ويستحق، شيئا أفضل من هذه النظرة التكدسية إلى الأمور.
ولكن التعددي هو الذي له الكلمة الأخيرة. ولما كان التعددي عادة، في أيامنا هذه، من أنصار المذهب الطبيعي، فإن التعددي وصاحب المذهب الطبيعي سيشتركان في الرد. وهكذا يقولون إن من المعترف به أن أذهانا كثيرة تنشد نظرة إلى الواقع أكثر تكاملا من تلك التي تقدمها إلينا التعددية. وإذا كان كل من جد يستحق أن يجد، فإن هذه الأذهان تستحق حلا للمشكلة الأنطولوجية أفضل من أي حل يستطيع المذهب التعددي أن يأتي به. ولكن السعي والنشدان، أو حتى الاستحقاق، شيء، والوقائع الصلبة الغاشمة الفعلية شيء آخر. ذلك لأن من الممكن أن نتصور قطعا أن يكون للكون نفس ذلك الطابع التكديسي الذي يصفه التعددي. وفي هذه الحالة، ماذا يمكن أن يفيدنا «السعي» أو «الاستحقاق» في الموضوع؟ ألن يؤديا، على الأرجح، إلى إعطائنا صورة مشوهة للواقع، تكون «مرضية» دون شك، ولكنها مع ذلك غير صحيحة؟ وفضلا عن ذلك، فإن الكلام عن «استحقاق» نوع معين من الإجابة على مسعانا الميتافيزيقي إنما هو خيانة لروح الفلسفة ذاتها. ففي السعي وراء الحقيقة العامة، لا «يستحق» الذهن أن يجد إلا ما هو موجود بالفعل. وأي شيء غير ذلك لا يستحق اسم الحقيقة. وأي شيء غير ذلك لن يكون جديرا بالفيلسوف ومسعاه. (8) تلخيص للميتافيزيقا: الواحدية
خير لنا أن نختم هذا العرض للمشكلة الميتافيزيقية بملخص لكل مدرسة تحدثنا عنها في هذين الفصلين الأخيرين. وسوف نركز كلامنا على نتائج كل رأي، ولا سيما في علاقتها بالتجربة البشرية العامة. ولقد أوردنا كثيرا من هذه النتائج، أو استخلصناها، عندما عرضنا وجهة النظر المتعلقة بها، غير أن تقديم موجز نهائي يتيح للطالب فهما أفضل للمشكلة الميتافيزيقية في مجموعها، وللإمكانات التي ينطوي عليها كل من الحلول المتعددة المقترحة. وسوف نتبع في تلخيصنا نفس الترتيب الذي اتبعناه في العرض الأصلي.
من الملاحظ أولا أن كل المذاهب الواحدية (متميزة عن الفردانية
Singularism ) تتميز بصفتين تبدون ضروريتين في مثل هذه المذاهب. فلما كان مظهر الأشياء - كما تبدو «للموقف الطبيعي» يوحي بثنائية ميتافيزيقية أساسية، تكون «المادة»، و«الذهن» فيها هما المبدآن النهائيان اللذان لا يردان إلى غيرهما - وهو أمر يشيع الاعتراف به - فإنه يكاد يكون من المحتم أن تصطدم أية صيغة توحيدية بالموقف الطبيعي، وأن ترتكز خطأ التبسيط المفرط في نقطة أو نقاط معينة داخل المذهب. ومن الواجب أن يعد كل من هذين الاتجاهين نقطة ضعف أو عيبا في المذهب الواحدي بوصفه موقفا ميتافيزيقيا، بغض النظر عن نوع «المادة» أو «العنصر» النهائي الذي يفترض. (1)
الواحدية المادية : تتحدى الواحدية المادية الموقف الطبيعي عن طريق إنكار واقعية الذهن أو الروح - أو فاعليتهما - في نظام الأشياء.
6
ولما كانت تجربتنا اليومية بأسرها تبدو شاهدا على وجود مقولتين للوجود: مقولة مادية، وأخرى ذهنية، فإن البينة الكاملة إنما تكون على المادي، عندما يحاول صياغة موقف واحدي ينكر واقعية هذه الثنائية البادية. أما التبسيط المفرد فيظهر في المادية عندما يحاول أنصارها إرجاع كل الحوادث الذهنية إلى مجرد ظواهر ثانوية مصاحبة للحوادث المادية. والواقع أن النظر إلى هذه الحوادث الذهنية (سواء أكانت إحساسات، أم إدراكات، أم أفكارا، أم تصورات) على أنها «ليست إلا» حوادث في العالم المادي، إنما يعني الوقوع في «مغالطة الرد»، كما أوضحنا في الفصول السابقة. (2)
Unknown page