وفي مقابل هذا الموقف الواقعي التعددي، يرى صاحب المذهب الفرداني أنه ليس ثمة شيء يوجد بذاته، ولا واقعة تكون تامة في ذاتها. وفضلا عن ذلك فإن أية عبارة لا تكون تامة الصحة إذا ما نظر إليها في ذاتها؛ ذلك لأن كل واقعة تؤدي آخر الأمر إلى كل واقعة أخرى، بحيث تكون كل وقائع الكون، في النهاية، متضمنة في أية عبارة أو قضية واحدة. ولو عدنا بالذاكرة لحظة إلى تحليلنا لمشكلة «الحقيقة» في الفصل السابع، لاتضح لنا على الفور أن هذه النظرية الفردانية في العلاقات الداخلية ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظرية التي تجعل الحقيقة ترابطا. وقد عرفنا أن القضية تكون صحيحة في هذه النظرية إذا كانت تترابط أو تنسق مع بقية معرفتنا أو نسق اعتقاداتنا. كما رأينا أن الرياضيات تتيح لنا أفضل مثال لتطبيق نظرية الحقيقة هذه، ولاحظنا مدى تفضيل المثالي لنظرية الترابط هذه.
رفض المذهب التعددي لفكرة الترابط : أما المذهب التعددي فيرفض نظرية الترابط بوصفها معيارا نهائيا للحقيقة، ويفضل نظرية التطابق، التي هي أقرب إلى الطابق التجريبي، أو المعيار البرجماتي، الذي هو أقرب إلى الطابع العلمي. فالقضايا قد تكون مكملة بعضها لبعض في نظر التعددي، ولكن هذا الإكمال لا ينطوي بالضرورة على تعديل.
5
وهكذا يرى التعددي أن الوقائع يمكن أن تكون مستقلة بعضها عن بعض، وأن مختلف أجزاء تجربتنا لا يتعين أن تكون لها علاقة بعضها ببعض، وأن الكون قد يكون مجرد مجموع متراكم؛ أعني «عالما للمقال
A Universe of Discourse »، بدلا من أن يكون كيانا أو موجودا عضويا من نوع ما. وهذا يؤدي إلى جعل بيئتنا أكثر إثارة إلى حد لا متناه، من حيث إمكانيات ظهور مواقف جديدة كل الجدة فيها. فالتعددية تصور الكون على الطريقة التي صوره بها العالم الدنمركي «تيخو براهي
Tycho Brahé »؛ أعني أنه كون قد تكون آلياته غير منضبطة تماما، بحيث تسمح بكثير من الخروج عن النظام الدقيق، وقد تكون المصادفة فيه عاملا حقيقيا هاما إلى أبعد حد. فالتعددي يؤكد ما أطلق عليه اسم «الشكل الفردي
Each-Form » للواقع، لا «الشكل الكلي
All-Form » كما يتمثل في المذهب الفرداني ، وهو ينظر إلى الواقع من خلال «الكثير» لا من خلال «الواحد». (6) المذهب التعددي والحضارة الأمريكية
ليس من المستغرب أن نجد المذهب التعددي المعاصر يزدهر إلى أقصى حد في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ذلك لأن التعددية فلسفة تجعل من التغير وعدم القابلية للتنبؤ والمغامرة فضيلة. وبدلا من أن يجد المفكرون في عناصر التجربة البشرية هذه شيئا ينبغي استبعاده أو إخفاؤه تحت البساط الميتافيزيقي، فإنهم يجدونها أساسية في العالم الواقعي، بل يجدونها مثيرة فيما تتيحه من تحديات وفرص. والواقع أن صياغة المذاهب التعددية قد ارتبطت بالنمو السريع للحضارة الأمريكية خلال ثلاثة أرباع القرن الأخيرة، وأنه لمن الصعب تصديق أن هذا الارتباط حدث «بمحض المصادفة». وحتى لو كان الأمريكيون قد بدأوا الآن يزدادون اهتماما بالأمان ومسايرة التيار السائد مما هم بالمغامرة والفرص التي تقتضي خوض مخاطر، كما يعتقد كثير من الملاحظين الاجتماعيين اليوم، فإنه يبدو من المؤكد أن التعددية ستظل تجتذب كثيرا من الأمريكيين. فالمدينة الأمريكية بأسرها تعددية إلى حد لا يكاد يكون له نظير في غيرها من المدنيات.
ومن الأسباب التي ترجع إليها هذه الظاهرة، الحجم المادي المجرد للولايات المتحدة. كذلك فإن تنوع الأصول العنصرية والحضارات القديمة التي انصهرت في البوتقة الأمريكية كان من الأسباب التي شجعت على انتشار التعددية. وقد أسهم في ذلك أيضا نظام الحكم الذي يفتقر نسبيا إلى التركيز؛ فهناك حكومة فدرالية، وحكومات للولايات ومجالس للمقاطعات والبلديات، كلها تتنافس على ولاء الأمريكيين وعلى أموال ضرائبهم. مما يزيد في تعدد الولاء وتعدد الضرائب الذي يجد الأمريكيون أنفسهم موزعين بينه. كذلك فإن أمريكا ما زالت تتصف بقدر كبير من الحركة الاجتماعية، وهذا يعني أن في استطاعة معظم الأمريكيين، في أي وقت يشاءون تقريبا، أن ينتقلوا إلى سكنى أماكن جديدة والاشتغال بأعمال جديدة، وتكوين مجموعة جديدة من الأصدقاء. وهذا يشجع بالطبع على تغير الاهتمامات وتحول الولاء. وما زالت الفوارق الإقليمية بين الأمريكيين قوية التأثير إلى أبعد حد، على الرغم من أن أهميتها أصبحت أقل مما كانت عليه منذ جيل مضى. فمعايير إقليم معين تختلف عن معايير إقليم آخر. وبينما أن الأشخاص الذين عاشوا طيلة حياتهم في نفس الإقليم قد يرون أن معايير هذا الإقليم واتجاهاته هي المعايير الوحيدة الصحيحة، فإن هناك من التنقلات السكانية ما يكفي للحيلولة دون أن تصبح هذه المعايير مطلقة.
Unknown page