وهم أذلوا ملوك الترك والروم!
يمشون في حلق الماذي سابغة
مشي الراغمة الأسد اللهاميم
28
هناك إن تسألي تنبي بأن لنا:
جرثومة قهرت عز الجراثيم
فغضب هشام، وقال أعلي تفتخر، وإياي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك؟ غطوه في الماء، فغطوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو يشر، ونفاه من وقته إلى الحجاز.
29
ولكن هذه النزعة صدها الأمويون صدا عنيفا، وعاقبوا عليها في قوة وجبروت، فتحولت من فخر ظاهر إلى دعوة سرية، وكانت الدعوة العباسية.
غير أننا نقرر هنا كالذي قررناه من قبل؛ وهو أن هذه النزعة لم تكن نزعة الفرس عامة، فمنهم من دخل الإسلام إلى أعماق نفوسهم، كمن سميناهم من التابعين، ولم ينسوا أن للعرب عليهم نعمة لا تقدر؛ وهي: أنهم هدوهم إلى الإسلام، واستنقذوهم من ضلال المجوسية إلى هداية الوحدانية. في الأوساط العلمية والدينية كان الفرس لا يؤمنون بعربية وفارسية، إنما يؤمنون بإسلام سوى بين الناس أجمعين، ولكن كثيرا من سواد الناس ومن أشارف الفرس كانوا يكرهون العرب، وخاصة الحكام والبيت الأموي. روى صاحب الأغاني: «أن إسماعيل بن يسار استأذن على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما فحجبه ساعة، ثم أذن له، فدخل يبكي، فقال الغمر: يا أبا فائد تبكي؟ قال: وكيف لا أبكي ، وأنا على مروانيتي ومروانية أبي أحجب عنك. فجعل الغمر يعتذر إليه وهو يبكي. فما سكت حتى وصله الغمر بجملة لها قدر، وخرج من عنده فلحقه رجل. فقال له: أخبرني ويلك يا إسماعيل أي مروانية كانت لك أو لأبيك؟ قال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم تكن أمه تلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقربا بذلك إلى الله تعالى، وإبدالا له من التوحيد، وإقامة له مقامه!»
Unknown page