لم أعرف شيئا عن نبوية موسى، واحدة من رائدات تعليم البنات، أي ريادة وأي تعليم؟ لم تكن رائدتي ولا مثلي الأعلى في حياتي، عضلات وجهها دائما متقلصة في تكشيرة أشد كآبة من تكشيرة جدي، لم أرها مرة واحدة تبتسم، لم أسمعها مرة واحدة تقول صباح الخير. تقلد الناظرات الإنجليزيات، الناظرات الألمانيات في عصر هتلر، الناظرات الفرنسيات في مدارس الراهبات.
تكره البنات، تكرهني حين تلتقي عيناها بعيني، تكره نفسها أيضا داخل السواد، أصبحت المدرسة مثل المأتم، كل شيء بلون الحداد.
طنط هانم لم تحب اللون الأسود، ترتدي الفساتين الحرارية الزاهية الألوان، بيتها الأنيق بالأشياء الزاهية، السواد في المدرسة كان أكثر بهجة لي من بيت طنط هانم.
طنط هانم أصغر من أمي بعامين اثنين، أدخلها جدي مدرسة الراهبات كما فعل مع أمي، أخرجها من المدرسة، زوجها من تاجر يملك دكانة في شارع الموسكي وبعض العمارات، منها العمارة في شارع الضاهر.
في زمن الحرب ازداد ثراء التجار، منهم زوج خالتي هانم. أبي يمقت التجار، يطلق عليهم اسم أصحاب الذمة الخربة، لا ضمير عندهم إلا الربح، يضعون المليم فوق المليم، يصنعون الملايين، لا يقرءون الكتب ولا الصحف، لا يشاركون في المظاهرات الوطنية، مهما أصبحوا من الأثرياء لا تذهب عنهم صفة البخل والتقتير، تقوم المعركة بينهم بسبب نصف مليم، التاجر منهم يخشى إفراغ أمعائه، بلغة ستي الحاجة: «يخاف يشخ يجوع .» يعاني أغلبهم من الإمساك.
البخل من الأمراض المعدية، ينتقل من الزوج إلى زوجته، تتفوق الزوجة على زوجها لتحظى برضاه، لتأمن بطشه.
كانت طنط هانم تخشى زوجها، أسمع من أمي أنه ليس زوجا مخلصا، يسهر في الحانات ودور اللهو، لا يعود إلا البيت إلا قرب الفجر، تعثر طنط هانم في ملابسه على آثار نساء أخريات، روج أحمر في المنديل، عطر حريمي في السروال، ترى وتسكت، تخشى أن تفتح فمها، يددها بالطلاق، يزداد ثراء وتزداد سلطته، يعطي نفسه مزيدا من الحريات، كنت أناديه باسم: عمي عبد الحليم.
طويل القامة، مبطط الوجه، يشبه التمساح، عيناه ضيقتان غائرتان، شفتاه مزمومتان، يدخل البيت عند الفجر وأنا نائمة، يخرج عند الظهر وأنا في المدرسة، لم أكن أراه إلا يوم الأحد. يوم الإجازات يغلق فيها الدكان في الموسكي، أعود من المدرسة بعد الظهر فأراه جالسا إلى المائدة يتناول وجبة الصباح، لا يرفع وجهه عن الصحن، عيناه مغمضتان أو نصف نائم، يرمقني بطرف عين صامت، تنفرج شفتاه عن كلمة واحدة: «كويسة.» أترك له المكان، أمشي إلى غرفتي، يرمقني كأنما أمشي فوق رأسه وليس على الأرض.
في إجازة العيد سافرت إلى منوف، ركبت القطار من محطة باب الحديد (ميدان رمسيس)، قلبي يخفق بالفرح، سوف أرى أمي وأبي وإخوتي وأخواتي، المرة الأولى في حياتي أفترق فيها عنهم، استقبلوني بالفرح والبريق في العيون، لا عناق ولا قبلات، المشاعر المطلة من العيون أقوى من أي عناق، سألتني أمي: مبسوطة في بيت طنط هانم يا نوال؟ - أيوة يا ماما.
خشيت أن أقول الحقيقة، ليس هناك حل سوى أن أبقى في منوف، أحرم من مواصلة المدرسة، في يوم أرسلت طنط هانم رسالة عاجلة إلى أمي: «خذوها إلى بيت عمها.»
Unknown page