وهي حين تسعى على رزقها ورزق ابنيها تترك هذين الصبيين البائسين لأنفسهما أكثر النهار، فهما يعيشان في الشارع يخالطان أمثالهما من أبناء السود البائسين، ويشاركانهم في كل ما يتعرضون له مما يفسد التربية وينحط بالأخلاق إلى الدرك الأسفل، فهم يعبثون عبثا مرذولا، وهم يسرقون ويختلسون، وهم يتعرضون لضروب من الإهانة والازدراء والتغرير والتضليل لا تطاق.
وهذا الصبي ريتشارد رايت نفسه يحدثنا عن وقوفه أمام قهوة من القهوات الوضيعة، التي يختلف إليها السود ليشربوا فيها شرابا بغيضا، ثم عن استدراج الكبار له حتى يدخل القهوة، وعن عبثهم به حتى يشرب ما لا يلائم سنه ولا صحته، وحتى يضطر إلى السكر قبل أن يتجاوز السادسة من عمره، وحتى يتعلم منهم أبشع اللفظ وأقبح الفعل، وهم يشجعونه على ذلك ليعبثوا به وليضحكوا من سخفه في القول والعمل، حين يأخذ منه السكر مأخذه.
والصبي يحب هذا النوع من الحياة؛ لأنه وحيد ضعيف أولا، ولأنه جائع بعد ذلك، ولأن العابثين به يتيحون له شيئا من طعام ويلهونه عن نفسه وعن جوعه وبؤسه بما يلقونه في جوفه من شراب، والحياة تثقل على أمه فتسلمه إلى ملجأ من ملاجئ اليتامى، تحاول أن تضمن له شيئا من التربية والمراقبة والتعليم، ولكن الصبي لا يطيق الحياة في هذا الملجأ؛ لأنه لا يطيق فراق أمه، ولأنه ألف الحياة الفارغة المتسكعة فهو يفر من الملجأ، وتضطر أمه إلى أن تمسكه في بيتها دون أن تجد إلى ذلك سبيلا.
وتعجز هذه المرأة آخر الأمر عن النهوض وحدها بهذا الثقل الثقيل فتنتقل بابنيها في مدن القسم الجنوبي من الولايات المتحدة ساعية على رزقها ورزقهما ما وسعها السعي، فإذا لم تجد إلى الاحتمال سبيلا لجأت بابنيها البائسين إلى أسرتها الحقيرة الفقيرة فعاشت وعاشا بين أمها وأبيها، وأختها المعلمة في مدارس السود.
وتحاول أن ترسل الصبي إلى المدرسة التي تعلم فيها أختها، ولكن الصبي لا يحب المدرسة ولا يحب خالته، يضيق بالنظام ويضيق بظلم خالته له، وما يزال يضيق بخالته وتضيق به خالته حتى يترك المدرسة ويعود إلى حياة التسكع والفراغ.
ثم تلم العلة بأمه حتى تثقل، ويرسل الفتى إلى أحد أخواله ليعيش في ظله، ولكن الأمور لا تستقيم له في هذا البيت الجديد؛ لأنه حر مسرف في الحرية لا يحب أن يسمع ولا أن يطيع، وإذا هو يعود إلى بيت الأسرة ليعيش بين أمه المريضة المثقلة وجدته البغيضة المتهالكة على الدين، وجده الساخط الذي انحاز إلى نفسه ولزم حجرته فلا تراه الأسرة إلا قليلا.
والصبي يثقل على نفسه ويثقل على أسرته، والخطوب تتقاذفه والجوع يلح عليه، وجدته تحاول أن تخضعه لشيء من النظام؛ فلا تستطيع، وتحاول أن تميل به نحو الدين فلا تجد منه إلا إباء ونفورا.
وهو على ذلك خال إلى نفسه عاكف عليها، قد استقر في قلبه أن كل من حوله من الناس وكل ما حوله من الأشياء عدو له، وأشد ما يؤثر في نفسه الناشئة ما يرى من استعلاء البيض على السود وظلمهم لهم واستعبادهم إياهم والاستخفاف بأمنهم وسلامتهم وحياتهم نفسها؛ فليس أيسر على البيض من شتم الرجل الأسود ولكزه ووكزه وقتله لأيسر الأمور وأحقر الهنات.
قد استقر في قلوب البيض أن السود لهم عدو خطر ضعيف، فيجب أن يستذلوهم وأن يمسكوهم في الفقر والجوع والهوان والحياة الخسيسة من كل نواحيها، واستقر في نفوس السود أن البيض لهم عدو قوي، فيجب أن يكبروهم ويخافوهم ويرهبوا بأسهم ويتنحوا لهم عن الطريق، ويخفضوا الأصوات إذا حدثوهم، ثم لا يحدثوهم إلا بما يصور الخوف والإكبار والإجلال، ولكن الصبي يرى هذا كله ويفهمه حق الفهم ويشعر به أشد الشعور وأدقه، دون أن تطمئن نفسه إلى شيء منه؛ فهو لا يستطيع أن يؤمن بأن بينه وبين غيره من الناس فرقا سواء أكانوا بيضا أم سودا، وهو من أجل ذلك يبغض الناس جميعا، ويعكف على نفسه حتى كأنه يعيش في عالم مقصور عليه، يبغض البيض لظلمهم وكبريائهم، ويبغض السود لذلهم واستخذائهم، وهو من أجل هذا يعيش عيشة منكرة حقا: لا يطمئن إلى أهله ولا إلى رفاقه لأنهم سود مستذلون والذلة لا تجد إلى نفسه سبيلا، ولا يطمئن إلى البيض لأنهم طغاة مستكبرون، ولم تخضع نفسه للطغيان ولا للاستكبار.
وهو من أجل ذلك ومن أجل إصراره على بغض النظام ومباعدة الدين قد فقد عطف أسرته جميعا إلا عطف هذه الأم المريضة، التي تثقل عليها العلة أحيانا، وترفه عليها بين حين وحين.
Unknown page