أحدهما: النظر في القدر الواجب على المتصدي لهذا الشأن عرفانه من أنواع العلم دون ما زاد عليه حتى لا يطلب منه ما يجب ليتوصل إلى سقوط ما يجب، فقد عرفتم أن العلم درجات بعضها فوق بعض ومنازل بعضها أعلى من بعض كما قال تعالى في كتابه الكريم : {وفوق كل ذي علم عليم }(1) فمن طلب الأعلى فقد رام شططا والذي يفتقر إليه المجتهد من الآيات الشريفة مقدر كما علمتموه، وكذلك الآثار النبوية وذلك لا يخفى على الخواطر الشريفة وقد كنت أعرف سماعا من حي الإمام المنصور بالله عليه السلام أنه يقول لبعض الأصحاب بعد أن قرأ الفائق في أصول الفقه ولم يكن قد قرأ في الفروع شيئا أصلا: تغيب شرح النكت والجمل وأنا أضمن لك الفقه بحذافيره، هذا لفظه عليه السلام، وقد علمتم أنه كتاب مقتصد ولا شك إلا أن كل واحد منكم يعلم يقينا أن صاحب هذه الدعوة الشريفة سلام الله عليه قد حفظ أكثر من ذلك يقينا فلا يرتاب حينئذ في بلوغه درجة الاجتهاد وتبريره عند كل بصير نقاد وفي أئمتنا الماضيين عليهما السلام الذي أجمعت العترة عليهم سلام رب العزة على إمامتهم من لا يلتبس الحال في أن علم هذا المدعي للإمامة يزيد على علمه بدرجات كثيرة في كل فن من فنون العلم من أصوله وفروعه ومعقوله ومسموعه، ولا حاجة إلى تعيينه في ذلك لا يخفى على خواطرهم الشريفة، وما الغرض نقص من ذكرناه فإنه كامل عند الله تعالى وعندنا، ومن تأمل دعوة الإمام المهدي عليه السلام وجوابه عن المسائل الواردة إليه وما سلك فيها من الاستدلال بالآيات والآثار وكلامه في الخصوص والعموم والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، وكذلك الأقيسة التي جمع بها بين الفروع والأصول وحسن استعماله لأصول الفقه على ضرورة أن لتصنيفه فضلا وزيادة ومزية على تصانيف أئمتنا عليهم السلام الذي أجمعت العترة على إمامتهم عليهم السلام وكافة أتباعهم وهذا ظاهر مشهور وجلي غير مستور، وليس المقصود بذلك تعريفكم فأنتم بحمد الله تعالى عارفون وإنما الكلام ذو شجون، ومن خبره عليه السلام وسبره فإنه يعلم ضرورة أنه يضرب في كل فن من الفنون بنصيب وافر وأنه يعد من علمائه بيقين، فإن عرض لأحد ممن قلت خبرته له حسن استعماله بطريقة القياس والاستنباط فلا حرج في البحث عن ذلك من دون تعمق ولا إفراط فقد كنا نعرف أن حي مولانا الإمام المنصور بالله عليه السلام لما كثر عليه التعنت في إيراد الأسئلة وأقام على ذلك مدة يسأل ويطلب منه الدليل على المسائل أو الإمارة قال: وأشياء ما أعلم أن أحدا من أهلنا ممن تصدى لهذا الشأن طلب منه مثل ما طلب منا، ثم ضرب قال في المصحف الكريم فخرج فيه {وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون} فعظم عليه ذلك جدا لكون من سأله من عيون أهل الديانة حتى قال قائلهم في ملأ من الناس وقد أرادوا بيعته: والله لقد اجتهدنا في إسقاط الفرض عنا وعنكم فما وجدنا إلى إسقاطه سبيلا ولم يرد بذلك إلا ما يعرض من مشقة التكليف ولعمري أنها زيادة مشقة لكنه يحصل معها من عز الإسلام وكبت أرباب الإجرام ونعش دين العترة الكرام ما لا يخفى على عاقل بصير فضلا عن عالم نحرير، فهذا وجه مهم لا غنى عن اجتماع الإخوان الفضلاء حاطهم الله عز وعلا عليه وجد من يريد سلوك طريقة التعمق التي قصد بها سواه عن الانقياد للحق وتكثير سواد أهل الصدق وإذا رأى من يريد غيره ممن يحسن فهمه وقصده لا يرتضيها أو يمنع عنها أعرض عن الذي تصوره منها وإن انفتح هذا الباب انتقض الغرض بما لا يوافق رضا الله عز وجل وكان فاعله في الحقيقة معدودا في الخاذلين للعترة عليهم السلام.
وأما أنا فلا أرتاب في أن علم هذا السيد الإمام يزيد على علم بعض من سبقه من الأئمة الكرام الذين انعقدت ولايتهم في أعناق الخاص والعام، وقضى بصحتها من تأخر من الأئمة السابقين الذي خاضوا في الدقائق ووقفوا على خفيات الحقائق.
পৃষ্ঠা ১০৬