وأما الشهر الذي يقضونه في رأس البر فكانت السباحة في البحر هي التسلية الوحيدة للرجال فقط، وكانت «عشتهم» ملاصقة «لعشة» أم كلثوم، وكانت تجلس معهم في الصباح تحت الشمسية، وتتمشى مع دسوقي باشا وثروت وشامل بعد الظهر، وكان ثروت يتركهم ويذهب إلى مكان بعيد على الشاطئ ومعه الشوقيات، ويقرأ حتى تميل الشمس للمغيب ثم يكمل قراءته للشعر على ضوء القمر. ولما وصل إلى المدارس الثانوية هيأ له صديقه وأستاذه «عثمان نويه» الفرصة في أن يكتب في مجلة الثقافة ذائعة الصيت في هذا الوقت، وهي مجلة أدبية بحتة لا يكتب فيها إلا فطاحل
3
الكتاب، وكان يرأس تحريرها العالم الكبير الأستاذ أحمد بك أمين، وكتب ثروت المقالة وأخذها أستاذه وقدمها للأستاذ أحمد أمين وقال: إن هذه المقالة كتبها محام ناشئ. وأعجب بها رئيس التحرير ونشرها، وبعد ذلك ذهب إليه عثمان نويه ومعه ثروت وعرفه بالعالم الكبير، ومن هنا بدأ ثروت أباظة الكاتب.
وكان ثروت ينظر إلى أبي نظرة كلها إعجاب، واتخذه مثلا أعلى له، واقترب منه سواء بالزيارات أو بالتليفونات، وبادله أبي حبا بحب، وأحس فيه بشحنة أدبية تريد أن تنطلق، وكان أبي مديرا لمديرية أسيوط (محافظا) فكلفه أن يحضر «بروفات» مسرحيته الشعرية «العباسة» وكانت تمثلها الفرقة القومية على مسرح الأوبرا الملكية، وطلب منه أن يصحح للممثلين النطق والتشكيل، وقام بما كلف به خير قيام، واطمأن أبي على شعره من أن يفسد النطق الخاطئ الوزن، وزادت ثقته به وزاد الحب أيضا.
وكان ثروت يكلم أبي في أسيوط ليطمئنه على مسرحيته، وكان أبي قبل نهاية المكالمة يعطيني السماعة ويقول له كلم «عفاف» باعتبار أنني من جيله وأحب الأدب، وكان سني حينذاك ستة عشر عاما، وكان يحلو لثروت بعد زواجنا أن يقول: إنني كنت أكلم عمي عزيز في أسيوط في عمل، فلماذا كان يعطي لك السماعة؟ يريد أن يقول: إن أبي هو الذي أوحى إليه بفكرة الخطوبة. وترك أبي الوظيفة، واستقر بنا المقام في القاهرة، وكثرت زياراته لنا، وابتدأت بيننا صداقة وتبادل الكتب والمطارحة الشعرية، ثم بدأ الود من ناحيته وطلبتني والدته من زوجة أبي، ولما سئلت لم يكن لي عليه اعتراض إلا صغر سنه والفارق البسيط بيننا في السن.
وفي يوم رن جرس التليفون وسأل ثروت: لم لا تردين على التليفون منذ مدة طويلة؟ هل تتعمدين ذلك؟ - نعم. - لماذا؟ - ... - إنني أطلبكم أكثر من مرة يوميا ومع ذلك لا أسمع صوتك! - إن الامتحانات قد اقتربت وأفضل ألا أشغلك عنها. - أنت تكتمين عني أمرا وتدخرينه إلى ما بعد الامتحان. - الحقيقة ... نعم. - فهمت.
كانت هذه المكالمة التليفونية هي بداية قصتنا، فقد صور لي غرور الشباب أنني إذا رفضته وأخبرته قبل الامتحان فسوف أقضي على مستقبله، وأصدمه صدمة لا يفيق منها، ويضيع عليه ليسانس الحقوق وأكون أنا السبب؛ فآثرت أن أبتعد عن طريقه حتى لا يسألني هل قبلته أو لا؟
وكنا نستعد لحضور حفل كبير تقيمه جمعية مبرة محمد علي في سميراميس، وذهبت إليه مع أبي وزوجته وأخي، وهناك التقينا به. لم يطل بي المقام في الحفل وعلى رغم الاستعدادات التي سبقته، وعلى رغم الفستان الجديد الذي اشتريته خصيصا لهذه المناسبة، وعلى رغم «الكوافير» والتجميل والانتظار؛ فقد أمرني عمي عثمان - وكنت أناديه بابا - بالعودة إلى البيت. ولم أكن قد أمضيت في الحفل أكثر من نصف ساعة؛ ففي رأيه أنه لا يجوز للفتيات أن يوجدن في هذه المحافل العامة، وانصعت لأمر عمي ولم أنبس ببنت شفة لأن حق عمي علي هو نفس حق والدي علي.
وفي طريقنا إلى السيارة خرج معنا الشاب المتقدم لخطبتي، وذهب أخي للبحث عن السائق ووقفنا معا بين السيارات وكان هذا أول موقف عاطفي بيننا. - أرجو أن تعيدي التفكير، هذا كل ما أطلبه منك. فهل تعدينني بذلك؟
ولم يكن في استطاعتي إلا أن أعد، وكان وعدي صمتا وارتباكا. ومرت الأيام ونجح في الليسانس، وجاء أبي وعيناه الصغيرتان تشعان سعادة يسألني: ما رأيك فيه؟ لقد كلمني والده اليوم ثانية في أمر زواجك، فقولي رأيك؛ فالأمر يخصك أولا وأخيرا. - ... - أنا بالنسبة لك أب وأم؛ فقولي رأيك بصراحة. - وما رأيك أنت؟ - رأيي بعد رأيك. هل لديك عليه اعتراض؟ إنه من أحسن الشباب وأكملهم، ثم إن صلته الروحية بي قوية، ونوع تربيته يعجبني.
صفحة غير معروفة