وابتدأنا نستضيف شقيقتي ثروت ، وقد أحببتهما وأحبتاني، وكنا ننتظر زيارتهما بفارغ الصبر كل أسبوع، كانتا في بواكير الشباب في الخامسة عشرة والثالثة عشرة من عمرهما، وكانتا تعتبران زيارتهما لنا حلما من الأحلام؛ ففي بيت أبيهما لا يخرجان إلا مرة كل شهر، وبعد رجاء ملح منهما وتردد طويل من الأهل، فقد كان خروج البنات في ذلك الوقت نادرا، وبلغ من شدة سعادتهما أن اصطحبتا معهما في الأسابيع التالية ابنة عمهما سلوى وكنت أقول لهما ضاحكة: من قال لكما إننا سنتحمل الضيف الثالث؟ ألا يكفي ضيفتان؟ أهو ذنبنا أننا رحبنا بكما، وكانت الضيفات الثلاث مستعدات أن يتحملن هذه المداعبات بل وأكثر منها ما دمن يخرجن ويسهرن ويتسلين.
وبعد يوم مشحون بالأفلام والمسرحيات ذهبن إلى فراشهن ونادين علي لأسهر معهن وأخذنا الحديث والسمر إلى ما بعد منتصف الليل، ولما أردت العودة إلى حجرتي كن يمنعنني باحتجاج شديد، ولما حاولت الخروج أقفلن الباب بالمفتاح، لنستأنف معا الضحك والمرح، ولم يكتفين بهذا بل كن يقصصن على أبيهن أخبار السينما، فكان يعنف زوجي ويمنعه من اصطحابهن بهذه الكثرة إلى الملاهي، وكان زوجي يقول لهن: أنا لا أجني من إكرامي لكن إلا التعب والتعنيف. وحدث أن احتاج زوجي لجراحة استئصال الزائدة وكانت عملية كبيرة نظرا لتأخر التشخيص وتأخر التنفيذ.
وحددنا اليوم وذهبنا إلى المستشفى بتشجيعي وتشجيع زوجة أبي؛ فقد كنا نراه متعبا متألما وعصبيا، وأجريت العملية، التي تستغرق في العادة نصف ساعة، في ساعتين، وتوترت أعصابنا جميعا وخفقت قلوبنا، ولم أحتمل نظرات والدته اللائمة؛ فهي طبعا لم تكن موافقة على الجراحة، واعتبرتني بطيبة قلبها وتلقائيتها مسئولة عن هذا الموقف الدقيق. وخرج أخيرا إلى غرفته وهو ما زال تحت تأثير المخدر الثقيل، لا يكاد ينطق إلا باسمي. ودخل أبوه وقلبه يملؤه القلق، ووقف إلى جانب سرير ابنه ينظر إليه، ويسمعه يناديني ويمد لي في الهواء ذراعيه؛ فطلب مني الأب أن أقترب، وكنت واقفة بعيدا محرجة من هذا الموقف العاطفي أمام الأهل، واقتربت بعد تردد وبحذر شديد، وأخذ يكلم - وهو نصف نائم - الممرضة الإنجليزية بلغتها ويحكي لها عن حبه لي. وما إن أفاق واستعاد نفسه حتى بدأت المناقشات من جديد، وكان الصراع بين الكبرياء والكبرياء، بين الحب والحب، واستمر سنوات وسنوات كنت أحس بحبه الجارف لي؛ فتجبرت وأخذت أثبت وجودي وأدافع عن كياني بقوة الشباب. عاتبته على الهفوة، آخذته على نغمة الصوت وعلى خائنة الأعين وما تخفي الصدور، تخاصمنا، وتقاطعنا، وترك كل منا البيت، ولكن الحب الكامن في قلبينا كان يشفع لكل هذا، وكان الحب المتدفق يعيدنا إلى البيت دائما.
وكانت عقدة حياتي هي أنني أريد أن يعاملني كخطيبة وليس كزوجة، فقد كان الصوت خافتا والكلمات رقيقة، أما بعد الزواج فيرتفع الصوت من القرار إلى الجواب والرقة تقل تدريجيا، وكان كلما كلمني بطريقة الأزواج تصدم مشاعري فأجيبه بعدوانية، وهو طبعا لا يفهم السبب، فيحار ويتعجب، ثم يغضب - ومعه الحق - ولولا هذه العقدة لسارت حياتنا في مسار أهدأ، وبقينا على هذه الحال سنوات، ولكن أحمد لله أن مد في عمر زواجنا واستطعت أن أقبل الأمر الواقع، وأن أكون زوجة ككل الزوجات وأن أعوضه عن بعض ما فات، ولكن كنا قد وصلنا إلى الكهولة، وشتان ما بين الشباب والكهولة!
وفي أوائل سنوات الزواج كان معتادا أن يسافر إلى قريته «غزالة» من وقت لآخر، وسافر مرة وكلمني بالتليفون عند وصوله إلى هناك مساء، وفي أثناء المكالمة احتد أحدنا على الآخر؛ فأغلق التليفون في وجهي، وجن جنوني، ولم يكن عندنا اشتراك للاتصال بخارج القاهرة، وبقيت والدم يغلي في عروقي إلى أن طلبني ثانية فأسرعت وأقفلت التليفون في وجهه؛ واستطعت أن أنام. وعندما عاد وزال الغضب قال لي: إنني طلبتك ثانية لأنني أعرف أنك لن تنامي قبل أن تردي الإهانة؛ فأردت أن أمكنك من ذلك، وهذه القصة على رغم بساطتها إلا أنها أثرت في نفسي ولا أزال أذكرها حتى الآن.
ذهبنا يوما لزيارة عمة لنا، وأثناء مرورنا بالحديقة تعثرت قدمي وكدت أن أقع؛ فصرخ زوجي صرخة عالية خوفا علي ولهفة، ولكن ما كان مني إلا أن قلت له : لا تصرخ هكذا! فتملكته الدهشة واعتبر هذا برودا مني، وقال لي إنني لا أستحق منه هذه اللهفة.
والواقع الذي لم يفهمه زوجي إلى آخر وقت من عمره هو أنني خجلت أن يسمع أحد صرخته ويعرف ما بيننا من مشاعر، وأظن أنه لم يخطر بباله هذا الخاطر، ولكن هذا ما شعرت به وخجلت أيضا أن أشرح له حتى بعد مضي السنين، إلا أنها أثرت في نفسه، وكنا نقضي شهور الصيف في الإسكندرية ولم نكن قد رزقنا بأبنائنا بعد فكنا أحرارا كالطيور في السماء نذهب حيثما نشاء في أي وقت نشاء، وكان مكاننا المفضل هو نادي السيارات حيث نشاهد غروب الشمس ونتابعها وهي تغيب رويدا رويدا وبتؤدة وجلال في البحر، وكان منظرها يملأ نفوسنا سعادة وانشراحا، وبعد المغيب نقضي الوقت في ترديد الشعر؛ يقول كل منا أجمل ما يحفظه منه، أنا أقول شعر أبي في الغزل وهو يقول شعر شوقي.
ويمضي الوقت ولا نكاد نشعر بمروره، وكان زوجي يقول لي إنه حفظ الشوقيات في رأس البر، وإنه كان يقرؤها في ضوء القمر، وكنت أقول له: إن أبي كان يعلمنا الشعر ونحن أطفال؛ أختي وأخي وأنا، وكان يقوله ونحن نردده وراءه حتى نحفظه، وكنا نحفظ الشعر خصيصا لنستعمله في المطارحة الشعرية التي كنا نقتل بها ملل السفر الطويل.
وسافرنا مرة إلى أسوان والمسافة طويلة بينها وبين القاهرة، وقطعنا الوقت بالحديث والقراءة، ثم أخذ هو يقول الشعر، وهو من أكثر الناس حفظا للشعر، وأخذ يتغنى ساعات طويلة بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي؛ إلى أن استبد بي الغضب وتجهم وجهي على الرغم مني، ولما سألني عن السبب لم أقل له شيئا، ولكن الواقع أنه لم يذكر بيتا واحدا من شعر أبي، وأنا أعرف أنه يحفظ منه الكثير، ويعجب به أشد الإعجاب.
ووصلنا إلى أسوان «بتكشيرة» كبيرة مني ودهشة وتعجب منه. وفي أوائل شهور زواجنا طلب عمي أحمد - وأنا أناديه يا بابا كعادة أهل الريف - من زوجي أن يذهب إلى منزل فنانة معروفة جدا حينذاك، وكان يقال إنها لا تقاوم، فحاولت أن أعترض ولكني لا أستطيع أن أرد لعمي طلبا، وطلب منه أن يتم معها إجراءات شراء سيارتها، وكانت قد عرضتها للبيع حينما تلقتها هدية من أمير عربي. وذهب ثروت في الميعاد واستقبلته الفنانة بقميص نوم و«روب» شفافين يظهران أكثر مما يستران، وتمت الصفقة وأعطته مفاتيح السيارة، وكان مكتوبا على السلسلة غزل في عيون الفنانة. وحكى ثروت لعمي ما رآه، وندم عمي على أنه لم يذهب بنفسه، وعاد زوجي إلى بيته سالما.
صفحة غير معروفة