وقال العذارى: إنما أنت عمنا!
وكان الشباب كالخليط تزايله
ويمكن القول إن أكثر أغراض الشاعر ومقاصده تنماز بالرصانة والهدوء والتعاقل، وتنزع إلى الجدل وتوخي الحقائق المادية المجسمة. (3-3) شعره السياسي - مدح السادات
إذا كان لزهير، في مختلف أغراضه، أشياء حسان، فخير شعره ما قاله في مدح سادات بني ذبيان، والدفاع عن القبيلة وإرشادها، وإسداء الحكم الاجتماعية في حسن السياسة ومكارم الأخلاق. فمدائحه خير مثال لأسلوب المدح الجاهلي، تظهر فيه مناقب الأشراف والفرسان وفضائلهم، على ما فيها من عنجهية ومكاثرة واعتداد. فإن زهيرا لم يتصل بملوك الشام والعراق ليشتمل شعره على صفات أصحاب القصور، ولا وفد على القبائل الغريبة يمدحها، ليخرج بشعره عن الصفة القومية التي ينتمي إليها، بل مكث في بني ذبيان يخصهم بمدائحه وآرائه ونصائحه، ويقارع أعداءهم شأن أمثاله من الشعراء القبليين الذين يوجهون أشعارهم شطر مجتمعهم لصلاحه ومنفعته، فيبذلون له ما في وسعهم، أسوة بغيرهم من أبنائه العاملين. ونعرف من الأشخاص الذين مدحهم من بني مرة: سنان بن أبي حارثة، وولده هرما، والحارث بن عوف؛ ومن بني بدر: حصن بن حذيفة، ونستثني مدحه للحارث بن ورقاء الصيداوي. فإنه ثناء أسداه إليه إثر هجاء بعدما رد عليه عبده يسارا، وكان قد سباه.
وأكثر مدائحه وأفضلها ما قاله في هرم بن سنان؛ لأنه كان شديد الحب له، وكان هرم يبره ويجزل له العطاء، وإن تكن مدائحه للآخرين لا يعدوها الجمال، ولا يقل أصحابها عن هرم شرفا وسؤددا. فالحارث بن عوف سيد من سادات العرب، وهو الذي سعى في الصلح بين المتحاربين حتى أدركه وحمل عن القوم ديات القتلى، وشاركه فيها هرم بن سنان، فخصهما زهير بمعلقته، ثم بقصيدته اللامية التي يقول فيها:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها
وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
49
ما عدا القصائد التي مدح بها هرما وحده، والتي مدح بها أباه سنانا ورثاه، حتى قيل إن هرما حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبدا أو وليدة أو فرسا. فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: «انعموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت.»
ومن حسنات زهير أنه كان لا يجنح في مدحه إلى الغلو الممقوت، ولا يأتي بسفساف القول، ولذلك قال الأقدمون فيه: «زهير لا يقول إلا ما يعرف، ولا يمدح أحدا إلا بما هو فيه.» وإذا وقع له شيء من الغلو جعل الشرط له مانعا مثل قوله في هرم:
صفحة غير معروفة