قال: فدفعه الرشيد إلى مسرور، فقال: يكون عندك حتى أسألك عنه، فلما خرج إلى خراسان الخرجة الأولى نزل بقرية من قرى الري يقال لها (رينويه) أمر أن يحفر قبر من ناحية المقابر، ويترك فسمعت جماعة من ناحية أرينويه منهم أحمد بن حمزة، والحسين بن علي بن بسطام، وغيرهم من أهل مدينة الري، والحسن بن إبراهيم بن يونس كلهم يقول ويخبر عن الحفارين الذين حفروا القبر، قالوا: أمرنا أن نحفر قبرا طوله كذا وعرضه كذا، ولا نجعل له لحدا وظننا أنهم يدفنون فيها مالا فصعدنا على شجر كان في المقبرة لننظر ما يدفن، فلما مضى من الليل نصفه إذ بنفر عليهم ثياب بيض وفارس يركض وهو يصيح: خذوه خذوه ويوهم من كان هناك أنه قد راه فسكنا حتى وقفوا على القبر فإذا رجل مكبل بالحديد على بغل ومعهم تابوت على بغل آخر، فوضع التابوت في القبر، وجاء القوم فانزل الرجل من البغل وادخلوه التابوت وهو يقول: يا هارون اتق الله ما يشفيكم قتلي دون عذابي أي درك لك في عذابي، فيقول الملك عظيم هبيته: اطرحوه الآن في التابوت، فما زال يناشده الله والرحم حتى واروه في التابوت فلما انصرفوا، قلنا: والله لو لم نحضر ما كان علينا من دمه، وإن أغفلناه كنا شركاء في دمه، وأخذنا المساحي ثم عالجنا حتى أخرجنا التابوت، فاستخرجناه منه، وبه أدنى رمق، فذهبنا به إلى النهر، فغسلناه بالماء حتى عادت إليه نفسه.
إلى قوله: وصرنا بيحيى إلى منزلنا، فكتب لنا رقعة إلى يحيى بن مالك الخزاعي فوقفنا له حتى ركب ثم دفعنا إليه الرقعة، فقال: قفوا حتى أعود، ثم مضى ساعة يتصيد ثم عاد فقال: أخبروني كيف كانت قصته، فأخبرناه، فبكى، ثم دعا ببدرة دنانير، فقال: ادفعوها إليه وقولوا له: قال يحيى يا مولاي أطو الأرض ولا تعترف إلى أحد من الناس، والحق ببلاد الشرك.
صفحة ١٤٦