كان رسول الله ﷺ مسافرًا ومعه الصحابة رضوان الله عليهم منهم الصائم ومنهم المفطر، وهذا أمرٌ طبيعي وأخذٌ بالرخصة التي تساوي بين الصوم والفطر، ثم إن الحر اشتد عليهم حتى سقط الصُوَّام من الشدة والضعف، وهنا كان ينبغي عليهم أن يفطروا، لأن التمسك بالصيام في هذه الحالة يعني عدم الأخذ بالمعادلة والتخيير وإنما الأخذ بتفضيل الصيام على الإفطار وهو غير صحيح، فجاء الأمر النبوي الكريم يتدخل في هذه الحالة مبيِّنًا ومذكِّرًا بحكم التعادل والتخيير، ومقتضاه أن من صام فوصل إلى درجة المشقَّة البالغة والضعف الشديد فاستمرَّ صائمًا فإنه لا يكون قد أخذ بالرخصة التي يحبها الله ﷿، فقال قولته البالغة الوضوح (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) أي أن الفطر عندئذٍ هو المتعيِّن، وأن من أفطر نال الأجر لأخذه برخصه الله ﷿، فإذا رأينا المفطرين هم الذين ضربوا الأبنية وهم الذين سَقَوْا الركاب – وهذا وذاك من القربات والطاعات لله ﷿ – عرفنا دلالة قول الرسول ﷺ إن المفطرين قد ذهبوا بالأجر أي الأجر كله، أجر الأخذ بالرخصة عند الشدة، وأجر ضرب الأبنية وسقي الركاب. وهكذا يتجلى بوضوحٍ تامٍّ تعاضدُ الأحاديث الواردة كلِّها، واتَّساقُها وتضافرُها بالقول إن الصيام في السفر كالفطر، لا يفضُلُ أحدُهما الآخرَ.
أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر:
والآن لنستعرض ما رآه القائلون من وجوب الفطر، وعدمِ جوازِ الصومِ في السفر من أدلةٍ وشبهات:
١- قال تعالى ﴿... فمنْ كان منكم مريضًا أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر ...﴾ . من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.
1 / 104