وبعد ثورة 23 من يوليو 1952م، ازداد شعور اليهود باحترام حكومة الثورة لهم؛ إذ إن هذه الحكومة لم تدع فرصة واحدة تمر - دينية كانت أو اجتماعية - دون أن تنتهزها لتبين لليهود المصريين أن ليس عندها قط ما تميز به بين مواطنيها من المسلمين والمسيحيين عن مواطنيها من اليهود، فرئيس الوزراء يشارك بنفسه في أعياد اليهود، ويزور معابدهم؛ ولما شكلت حكومة الثورة في مصر لجنة خاصة لوضع دستور جديد للبلاد، عينت فيها عضوا يمثل اليهود، هو الأستاذ زكي العريبي، المحامي المصري المعروف؛ وإنك لتجد في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من البلاد المهمة في مصر، مدارس يهودية يديرها يهود، حيث يستطيع التلاميذ اليهود أن يتعلموا العبرية بلا تدخل من أي موظف حكومي، بأية صورة من الصور.
وبرغم حالة التوتر القائمة بين الدول العربية عامة، ومصر خاصة، وبين إسرائيل؛ فإن اليهود المصريين يقومون بدورهم في حياة مصر الاقتصادية والتجارية، ولهم رءوس أموال ضخمة مستثمرة في المصانع والشركات، وفي مؤسسات الاستيراد والتصدير، وفي البنوك.
نعم، إن عددا من فقراء اليهود، تحت تأثير الدعاية الصهيونية، قد هاجروا من مصر إلى إسرائيل، لكن هذا العدد أخذ يتناقص بشكل ملحوظ منذ قامت الثورة، ويرجع التناقص أساسا إلى عاملين: أولهما التمييز في إسرائيل بين اليهود العرب واليهود الوافدين من أوروبا؛ فقد جاءت الأنباء ممن هاجروا إلى إسرائيل بأن اليهود العرب هناك يكلفون بأداء أحط الأعمال شأنا، كالعمل في المجاري، برغم أنهم قد يكونون ممن ظفروا بقسط عال من التعليم، على حين أن اليهود الوافدين من أوروبا يعاملون كما لو كانوا سادة، وكما لو كان اليهود العرب عبيدا لهم وخدما؛ وأما العامل الثاني، فهو ما يشعر به اليهود المصريون - في حكومة الثورة - بمساواة تامة بينهم وسائر المواطنين من مسلمين ومسيحيين، فهم يختارون لأنفسهم من ضروب الأعمال ما يشاءون، على حين أن زملاءهم في إسرائيل يجبرون على الأعمال التي تختارها لهم السلطات.
على أن الدعاية الصهيونية - برغم هذه الحقائق - ما تزال تجد سبيلها إلى نفوس عدد من اليهود الفقراء، الذين قد يتوهمون أنهم مصادفون ثراء في إسرائيل، فيهاجرون بمعونة تأتيهم من عملاء الصهيونية، فترسل لهم تذاكر السفر مجانا إلى مرسيليا، كما ترسل لهم إعانات مالية لإعداد أنفسهم بالثياب وغيرها من لوازم السفر. وإن الحكومة هنا لتعلم مقصد المهاجرين، ومع ذلك فهي لا تقف في سبيل هجرتهم.
ويقول هذا الصحفي اليهودي المصري في تقرير: إنني لأرى - باعتباري مواطنا مصريا يعتنق اليهودية دينا - أن الدول العظمى قد اقترفت أفحش خطيئة ضد يهود العالم، بأن أقامت دولة إسرائيل؛ لأنها بذلك قد عزلت اليهود في معظم أرجاء الدنيا، إذ نظر إليهم على أنهم موالون لهذه الدولة الوليدة، وأنهم ليسوا على ولاء للبلاد التي يعيشون فيها، وحسبوا كما لو كانوا مواطنين إسرائيليين يقيمون خارج بلادهم. وفي الوقت الذي عارضت فيه تلك الدول العظمى بكل قوتها، النازية والفاشية، واتهمتهما باضطهاد اليهود في ألمانيا، وفي الوقت الذي لم تدخر فيه تلك الدول العظمى جهدا في إيواء اللاجئين اليهود الذين طردوا من ألمانيا؛ فهي لم تصنع - حتى الآن - شيئا قط لإعادة اللاجئين العرب إلى ديارهم في فلسطين، أو لتعويضهم، وتركتهم خلال السنوات السبع الماضية (من 1948م إلى 1955م، وهي تاريخ كتابة هذا التقرير)، مشردين في الصحراء، بلا مأوى. وإننا نحن اليهود المصريين لنشعر بالمفارقة حين نرى أنفسنا في مأمن من وطننا، ثم نرى هؤلاء اللاجئين يتجرعون العيش المر في حياة متوترة قلقة.
وفي رسالة أخرى من القاهرة، وصف الكاتب مقابلة له مع شيكوريل، يقول فيها: قابلنا السيد شيكوريل في مكتبه الكائن في متجره - وهو أكبر متجر في مصر، مليء بصنوف السلع، جميل البناء، حديثه - وكان معه في مكتبه الحاخام ناحوم ونائب مدير المتجر، الذي هو عضو بارز في الجالية اليهودية. إنك حيثما توجهت هنا في لقاء على ميعاد، كانت أول خطوة في مراحل العمل هي أن تشرب فنجانا من القهوة التركية، وبهذه البداية بدأت زيارتنا للسيد شيكوريل، فقلما يبدأ حديث جاد إلا بعد أن تكون هذه الشعيرة قد تمت. وبدأت أنا الحديث - كما رجاني السيد شيكوريل أن أفعل - بأن أخبرتهم عن المجلس اليهودي الأمريكي، وعن دهشتي السارة التي دهشتها حين سمعت الحاخام ناحوم وهو يحدثني عن اليهود في مصر، والطمأنينة التي يتمتعون بها في حياتهم. وشرحت لهم كيف أن ضجة الدعاية الصهيونية في أمريكا، والدعوة هناك لجمع المعونات لإسرائيل، قد ضللت حتى أولئك الذين أرادوا منا أن يحصلوا على معلومات صحيحة عن حالة اليهود في البلاد العربية، فكان كل ما سمعناه تقريبا هو التهم التي وجهتها الصهيونية وإسرائيل إلى العرب بأنهم يريدون إبادتهم، وبأنهم يضطهدون الساميين. فأكد لي السيد شيكوريل صحة ما سمعته قبل ذاك من الحاخام ناحوم، وأن هذه التهم كلها باطلة بطلانا تاما، نعم، إن هناك شعورا بالقلق، لكنه شعور ناجم من التحول العميق الذي تتحول به البلاد من حياة إلى حياة، لا من اضطهاد موجه إلى اليهود بأية صورة من الصور. ولئن كان الفقر الشديد شائعا بين اليهود هنا، فهي حالة تصدق على مصريين كثيرين من ديانات أخرى، وإن مثل هذا الفقر لهو نفسه أحد العوامل الهامة التي أدت إلى قيام الثورة. وقد اتهم السيد شيكوريل وكلاء الصهيونية باستغلالهم لأمثال هذه الظروف القائمة، مع علمهم أنها لا تمت بصلة على الإطلاق بعلاقة اليهود بغيرهم .. ويعتقد السيد شيكوريل أنه برغم جهود الصهيونية نحو تهجير اليهود، فليس هنالك إلا عدد قليل جدا من يهود مصر يفكرون أقل تفكير في الهجرة إلى إسرائيل.
ولعل أقوى حجة قدمها السيد شيكوريل في حديثه، هي خبرته الشخصية التي صادفها في عمله؛ فقد أحرق متجره في حريق القاهرة، الذي حدث في يناير سنة 1952م - وكان ذلك قبل الثورة - فواجه هو وشركاؤه هذا السؤال: هل يعيدون بناء المتجر في القاهرة؟ أو يقررون بأن الأمل في المستقبل مسدود أمام اليهود المصريين؟ «وإن جوابنا عن هذا السؤال» هكذا استطرد شيكوريل في حديثه «لتراه قائما في هذا البناء الجديد، الذي يعد من أجمل المباني في مصر؛ فهو كاف وحده للدلالة على ما نظنه بالنسبة إلى مستقبل اليهود في مصر.»
ومضى الكاتب يقص في رسالته هذه عن حديث فرعي دار في مكتب السيد شيكوريل؛ «وذلك أن الجالية اليهودية أرادت أن تقيم لنا - زوجتي وأنا - احتفالا تكريميا، وأراد السيد شيكوريل أن يستطلع مسئولا في الحكومة رأيه في ذلك، وجاءنا شاب نابه واشترك معنا في الحديث، فأكد لنا رغبة أولي الأمر في أن يحضر بعضهم هذا الحفل؛ لأنهم حريصون أشد الحرص على أن يظهروا للجالية اليهودية ما يكنونه لهم من رعاية لأوجه نشاطهم الاجتماعي. وإذن فالحكومة لم تكتف بمجرد الموافقة على إقامة الاحتفال، بل أرادت المشاركة فيه. إن رجال الحكومة هنا يعلمون ما يتهمهم به الصهيونيون من اضطهاد للسامية، ويريدون أن يبطلوا الاتهام، وقد كان أروع جانب من حديث الشاب اللامع الذي جاءنا موفدا من الحكومة، حين أخذ الحاضرون يحددون مكان الاجتماع، فكان رأي شيكوريل أن يكون الاجتماع في مكان ما من ممتلكات الجالية اليهودية، فأصر الشاب على أن يكون الاجتماع في فندق سميراميس، تاركا الاختيار الأخير للسيد شيكوريل، لكن وجهة نظره في تفضيل الفندق للاجتماع، أقامها على أساس أنه بينما الحرية التامة مكفولة لكل فئة دينية أن تمارس شعائرها على أي نحو شاءت، فإن الحكومة حريصة على الفصل بين النشاط الاجتماعي والعبادة الدينية، وأن اجتماعا كهذا إذا ما أقيم في فندق عام، كان دليلا على الفصل بين الجانبين.» ويقول صاحب الرسالة إنه بعد حوار طريف بين شيكوريل من طرف، وهذا الشاب النابه من طرف آخر، سئل ماذا تختار لنفسك أنت، وأنت موضع التكريم؟ فأجاب بأنه برغم أنه لا يهتم بمكان الاحتفال أين يكون، لكنه يؤيد الشاب في وجهة نظره؛ لأنها هي نفسها وجهة النظر التي ينظر منها المواطن الأمريكي.
ويكمل الكاتب رسالته هذه بوصف لزيارة قام بها لمديرية التحرير، وللجهود التي رآها مبذولة هناك، واستطرد ليثني على العزيمة الماضية التي لا تكل ولا تمل، عزيمة الحكومة والزعماء في بعث الحياة بعثا جديدا. ثم يصف زيارته للمحلة الكبرى ومصانعها، وللمراكز الاجتماعية في الريف، ويختم بحديث دار بينه وبين دبلوماسي في وزارة الخارجية، تحدثا فيه عن سياسة مصر تجاه إسرائيل، فوضع له هذا الدبلوماسي النقط فوق الحروف؛ مما جعله على علم تام بموقف العرب من هذه المصيبة التي أصيب بها العرب على أيدي المستعمرين.
ونخطو خطوا خلال الرسائل المرسلة من بغداد ودمشق وبيروت، وفيها معلومات قيمة وملاحظات جديرة بالنظر، لنصل مسرعين إلى رسائل الكاتب من القدس بقسميها: العربي والمحتل.
صفحة غير معروفة