وأعود إلى علاقتنا الفكرية بسارتر، فأقول إن أهم عوامل نهوضنا الفكري منذ الأفغاني ومحمد عبده، وإلى يومنا هذا، هو إخراج الناس من حياة لا واعية أو شبه واعية، إلى حياة واعية، قوامها الاحتكام إلى العقل وأحكامه، وانظر إلى حياتنا الفكرية اليوم، تجد كلمة «التوعية» مترددة في كل مجال؛ إدراكا منا لضرورة الارتكاز على «الوعي» الصاحي المفكر المتنبه اليقظان؛ وهذا الاهتمام بالوعي دون اللاوعي، هو ما قصدت إليه حين ربطت بين حياتنا الفكرية ودعوة سارتر.
وأما الدعوة إلى الحرية فأوضح من أن نلجأ في أمرها إلى تحليل، لكننا نلاحظ أن دعوتنا إلى الحرية كانت سطحا بغير قاع، ومن هنا كان اهتمامنا بفلسفة الحرية الإنسانية عند سارتر؛ لأنها فلسفة تعطينا القاع الذي نرتكز عليه؛ فلمن شاء أن يقلب ما شاء فيما أنتجناه منذ الأفغاني إلى اليوم، ولن يجد إلا دعوات متلاحقات إلى التحرر من هذا وهذا وذاك، والحرية في هذا وهذا وذاك، حتى لأكاد أقول إن أدباءنا ومفكرينا لم يكن لهم شاغل أساسي إلا موضوع الحرية من شتى وجوهها وفي مختلف تطبيقاتها. وحتى الدعوة إلى العقلانية كانت فرعا من الدعوة إلى الحرية؛ لأن الاحتكام إلى العقل هو ضرب من التحرر من قيود الجهل ومعوقاته .. دعونا إلى الحرية السياسية، وإلى حرية المرأة، وإلى حرية التعليم، وإلى حرية الأديب، وإلى حرية الباحث، وإلى الحرية الاقتصادية أخيرا، بمعنى ألا يكون العائق الاقتصادي حائلا دون الإنسان في طريق سيره وطموحه؛ ما أمكن ذلك.
وإني في هذه المناسبة لأذكر ما قاله سارتر في كتابه «ما الأدب؟» إذ يقول إن للكاتب موضوعا واحدا هو موضوع الحرية؛ يقول: «... فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصيا، وليقتصر في حديثه على عواطف فردية، أو ليهاجم نظام المجتمع؛ فهو في كل أحواله الرجل الحر، يتوجه إلى الأحرار من الناس، وليس له سوى موضوع واحد، هو الحرية.» (ص76 من الترجمة العربية) أقول إني لأذكر هذا القول من سارتر، وأقرنه بما فعلناه خلال قرن كامل، فأعلم أن قوله يصف فعلنا.
وهل أترك هذه المناسبة دون أن أذكر شيئا عن هذه الأحكام القاسية التي قضى بها الأستاذ فتحي رضوان في كتابه «عصر ورجال» على مفكرينا وأدبائنا فيما بين الحربين، والسياسة أو الحياة؟ يقول عنهم: «كان الأمر عندهم تنقلا بين الشخصيات والأفكار والكتب، وكان ما يصدر عنهم انطباعات سريعة، من قراءات لا تستولي عليهم، ولا تملأ حياتهم ولا وجدانهم؛ وإنما أقصى ما تستطيعه هذه القراءات أن تدخل إلى نفوسهم نشوة الإعجاب بفكرة أو بشخص، ولكنها لا تلبث أن تنطفئ ليحل محلها إعجاب بفكرة أخرى وشخصية تالية .. ولذلك إذا فرغت من قراءة كل ما كتبه العقاد والمازني وهيكل؛ لا تعرف بالضبط ما الذي يريده أي منهم، ثم لا تعرف الفارق بين الواحد منهم والآخر ...» (ص24).
وإني لأجد هذا الحكم ظالما، فأنا أظن أني «أعرف بالضبط ما الذي يريده أي منهم»، وأعرف كذلك أن لا فرق بين أحدهم والآخر؛ ذلك لأنهم جميعا يديرون القول - أساسا - حول التحرر والحرية؛ تحرر من قديم، وحرية في بناء جديد؛ ولذلك كانوا في هذا الوجه متشابهين جميعا، لا ترى فارقا بين أحدهم والآخر إلا في الزاوية التي اختارها والطريقة التي سلكها في بلوغ الهدف؛ نعم، كتب هيكل عن روسو، وكتب العقاد والمازني معا «الديوان» في النقد، وكتب المازني حصاد الهشيم، وكتب علي عبد الرازق في الإسلام وأصول الحكم، وكتب طه حسين في الأدب الجاهلي؛ كل أولئك في سنوات متقاربة من العشرينيات، وكلهم يستقل في كتابته بمجال، لكنهم جميعا يدعون بما كتبوا إلى الحرية الأدبية والسياسية والعلمية والاجتماعية، وإلا فهل تستطيع أن تقرأ كتابا من هذه الكتب، ثم تتركه بغير أن تنزع إلى التحرر من هذا أو من ذاك، قليلا أو كثيرا؟
لا، إن موضوع الكتابة الأدبية عندنا كان هو «الحرية» من شتى وجوهها، لكن الذي نوافق عليه حقا، هو أنه لم تكن في أذهاننا عن الحرية فلسفة واضحة المعالم؛ قد يقال: أن تعشق الحرية فطرة لا تحتاج إلى فلسفة، لكن الفطرة نفسها تصبح أقوى تحريكا حين تنتقل إلى سطح الوعي اليقظان، وهذا هو ما تصنعه لنا فلسفتها؛ وكان مما حبب إلينا سارتر فلسفته في الحرية؛ إذ رأيناها ضرورية لسد الثغرة الموجودة في كياننا الثقافي، وقد تكون هناك فلسفات للحرية معاصرة غير فلسفة سارتر، وربما نقلنا بعضها إلى العربية كما نقلنا فلسفة سارتر، وربما تأثرنا بها جميعا، لكن ذلك لا ينفي - بل يؤيد - أننا أقبلنا على هذه الفلسفة بنفوس متفتحة وصدور رحبة. ولست أريد هنا أن أفصل القول في فكرة الحرية الإنسانية عند سارتر؛ لأن مراجعها أمام القارئ كثيرة، وحسبنا أن نذكر مسرعين أن سارتر يرادف بين الحرية والحقيقة الإنسانية؛ إذ الوجود عنده وجودان: وجود لذاته «وذلك هو الإنسان»، ووجود في ذاته «وتلك هي الطبيعة»، والوجود الأول حرية صرف، والوجود الثاني متقبل لما تفعله تلك الحرية فيه؛ وإنك لتمسخ الإنسان مسخا إذ أنت جعلته «شيئا» يتقبل حرية سواه، إلى آخر ما ذهب إليه سارتر في وجوديته.
ولست أرى نقطة التقاء بين حياتنا الفكرية في يومها الراهن وبين سارتر، أقوى من القول بالأدب الملتزم؛ فماذا يقول سارتر في التزام الأديب؟ إنه بادئ ذي بدء يخرج الشعر من الالتزام الذي يعنيه، ويقصر الالتزام على النثر وحده، ولكي يوضح ذلك سأل سؤالين، أجاب عن كل منهما إجابة مستفيضة؛ سأل: لماذا نكتب؟ ثم سأل: لمن نكتب؟
فأما عن السؤال الأول؛ فقد أجاب بأن الكاتب يكتب ليكشف عن حقيقة واقعة يعرضها أمام القارئ على صورة توحي له بأن يفعل إزاءها شيئا؛ فإذا وصف حالة من حالات الظلم مثلا، فهو لا يصفها ليزداد بها القارئ علما فحسب، ولا ليزداد بفن الكتابة فيها متعة فنية فحسب؛ بل يصفها لينشط القارئ بعدئذ للقضاء عليها، «فإذا تناولت هذا العالم، بما يحتوي عليه من مظالم، فليس ذلك لكي أتأمل في هذه المظالم في برودة طبع، بل لكي أردها حية بسخطي، وأكشف عنها وأبعثها مظالم على طبيعتها؛ أي مساوئ يجب أن تمحى، وبذا لا يكشف القارئ عن العالم في عمقه الذي صوره فيه الكاتب إلا بفضل بحث القارئ فيه وسخطه» (ص75 من الترجمة العربية). إننا لا نتصور بحال أن يكون الكاتب كاتبا حقا، إذا هو أجاز الظلم بما يكتبه؛ إذ لا نتصور أن يستمتع قارئ بما يقرأ إذا ما وجد فيه استعباد إنسان لإنسان «فالكتابة طريق من طرق إرادة الحرية، فمتى شرعت فيها - إن طوعا وإن كرها - فأنت ملتزم» (ص78).
خذ كاتبا من السود في أمريكا، هو رتشارد رايت، ومن أشهر مؤلفاته قصة «ابن الأقاليم» (1940م)، و«غلام أسود» (1945م)، وهذا الأخير سيرة ذاتية للكاتب؛ خذ هذا الكاتب الأمريكي الأسود، فماذا ينتظر منه أن يكتب فيه إلا قضية السود في أمريكا؛ يقول عنه سارتر: «أويستطيع امرؤ أن يفترض لحظة، قبوله إنفاق حياته في التأمل في الحق والجمال والخير الخالد؟ في حين تسعون في المائة من سود جنوب الولايات المتحدة محرومون فعلا من حق التصويت في الانتخاب؟! .. إنه إذا اكتشف أسود من سود الولايات المتحدة في نفسه أنه من الملهمين في الكتابة، فقد اكتشف في الوقت نفسه الموضوع الذي يكتب فيه» فلا مناص له من الكتابة في مشكلة السود، كتابة يوجهها إلى فئة السود المثقفين أولا، وإلى البيض المتعاطفين ثانيا؛ ولذلك تراه يوجه الكتابة وجهة تؤدي غرضها في تحريك هاتين الفئتين. إنه بداهة لا يكتب للبيض الذين يناصرون التفرقة العنصرية، لأنهم لن يقرءوه، ولا للسود الأميين، لأنهم لن يقرءوه، بل هو لا يكتب أساسا لمن هم خارج الولايات المتحدة. وهكذا، ترى أن الموقف قد حدد أمام الكاتب لا موضوع الكتابة فحسب، بل حدد له أيضا نوع القراء الذين يوجه إليهم الحديث، بالأسلوب الذي يقدر له أعمق التأثير في نفوسهم، وفي هذا إجابة عن السؤال الثاني.
إلا أننا إذ نرحب بالفيلسوف الفرنسي الكبير في بلادنا، فإنما نرحب برجل قد التقينا معه في كثير من الأهداف.
صفحة غير معروفة